فهرس الكتاب

الصفحة 3258 من 3472

وقد دل هذا الحديث على مشروعية استقبال القادمين من الجهاد والحج بالحفاوة والترحيب، فهو سنة من سنن سيد المرسلين، وفيه جواز رواية الصبي لأن السائب كان غلامًا. [1]

وقال ابن القيم رحمه الله: فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمَدِينَةِ خَرَجَ النَّاسُ لِتَلَقِّيهِ، وَخَرَجَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْوَلَائِدُ يَقُلْنَ

طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ

وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعِي

وَبَعْضُ الرُّوَاةِ يَهِمُ فِي هَذَا وَيَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ مَقْدِمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ وَهْمٌ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ لَا يَرَاهَا الْقَادِمُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا يَمُرُّ بِهَا إِلَّا إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: ( «هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ) " [2] "

هكذا كان السلف الصالح يعاملون المجاهدين في سبيل الله، يودعونهم عند سفرهم داعين لهم بالنصر والشهادة، ويكرمونهم عند قدومهم بالاستقبال والترحيب، لأن المقياس عندهم هو سبيل الله.

وكانوا إذا فرت طائفة من الجيش الإسلامي وتركته ورجعت إلى المدينة، بسبب ما رأت تلك الطائفة من كثرة العدو وغلبة ضعفها البشري عن التحمل والثبات، كانوا يستقبلون

(1) - منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 125)

(2) - زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 481)

قال الحافظ في القتح:"فَأَنكَرَ الدّاوُدِيُّ هَذا وتَبِعَهُ ابن القَيِّم وقالَ: ثَنِيَّة الوداع مِن جِهَة مَكَّة لا مِن جِهَة تَبُوك، بَل هِيَ مُقابِلها كالمَشرِقِ والمَغرِب. قالَ: إِلاَّ أَن يَكُون هُناكَ ثَنِيَّة أُخرَى فِي تِلكَ الجِهَة، والثَّنِيَّة ما ارتَفَعَ فِي الأَرض، وقِيلَ الطَّرِيق فِي الجَبَل. قُلت: لا يَمنَع كَونها مِن جِهَة الحِجاز أَن يَكُون خُرُوج المُسافِر إِلَى الشّام مِن جِهَتها، وهَذا واضِح كَما فِي دُخُول مَكَّة مِن ثَنِيَّة والخُرُوج مِنها مِن أُخرَى، ويَنتَهِي كِلاهُما إِلَى طَرِيق واحِدَة، وقَد رُوِّينا بِسَنَدٍ مُنقَطِع فِي"الحَلَبِيّات"قَول النِّسوة لَمّا قَدِمَ النَّبِيّ شوال المَدِينَة:"

طَلَعَ البَدر عَلَينا مِن ثَنِيّات الوداع""

فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِند قُدُومه فِي الهِجرَة وقِيلَ عِند قُدُومه مِن غَزوة تَبُوك."فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (8/ 128) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت