جميعا .. وعلى النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- أن يضمن سلامته، وأن يكفل له الأمن والطمأنينة ما دام في رحاب المسلمين .. ثم إن أراد النبىّ، أو رغب هو في أن يلحق بأهله، أجيب إلى هذا، ووكل به النبىّ من المسلمين من يقوم على حراسته، وسلامته، حتى يبلغ مأمنه، أي المكان الذي يجد فيه الأمن بين أهله وعشيرته ..
ألا فلتخرس ألسنة الذين يقولون إن الإسلام دين قام على السيف وإراقة الدماء!! فهذا صنيع الإسلام مع أعدائه حين لا يكون منهم حرب معه، أو عدوان عليه .. إنه سلم خالص، وإنسانيّة في أرفع منازلها .. فلا إكراه في الدين، ولا عدوان على من يختلفون مع المسلمين اختلافا قائما على البحث والنظر.
وليس في الدعوات دعوة تحترم العقل، وتمنحه حقه المطلق في النظر والاختيار- كدعوة الإسلام، التي لا تفرض سلطان الحق الذي بين يديها، على أي ذى عقل، ولو كان عقلا جهولا محمّقا! ذلك أن الإسلام ليس من همّه امتداد ظلّه على مساحات ممتدة من الأرض، ولا التسلط على أعداد كثيرة من الناس، شأن الغزاة والفاتحين، فمثل هذا لا يقيم في القلوب دينا، ولا يثبت في الأرض عقيدة .. وإنما الذي يهمّ الإسلام أولا وأخيرا، هو أن يجد العقول التي تتقبّل دعوته، والنفوس التي تستجيب لها، والقلوب التي تعمر بها .. ولا عليه بعد هذا أن يقلّ أتباعه أو يكثروا، وأن تتسع دولته أو تضيق .. إذ ليست دعوة الإسلام لحساب فرد أو جماعة، وإنما هى خير ممدود للناس، فمن طعم منه، واستطابه، فذلك له، ومن أعرض عنه وتحاشى الأخذ منه فليس لأحد عليه سلطان: «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» ..
وفى قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ» إشارة داعية إلى الرفق بهؤلاء المشركين الذين جاءوا ليعرضوا الإسلام على عقولهم، فهم على جهل وجفاء، وفى ظلام جاهلية طال عليهم الأمد فيها .. وإذ كان هذا شأنهم، فإن من شأن من يتولّى الاستشفاء لهم من دائهم، أن يترفق بهم، حين يراهم يعشون عن النور، ويعمون على الهدى .. [1]
(1) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 704)