فهرس الكتاب

الصفحة 3289 من 3472

فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْقُدُومِ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ يَرَى الْمَوْتَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ وَوَضْعِ رِجْلِهِ فِي الْقَيْدِ اخْتِيَارًا قَدْ اسْتَحَقَّ أَنْ يُوهَبَ لَهُ حَدُّهُ كَمَا «قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْت مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَك حَدَّك» وَظَهَرَتْ بَرَكَةُ هَذَا الْعَفْوِ وَالْإِسْقَاطِ فِي صِدْقِ تَوْبَتِهِ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُهَا أَبَدًا، وَفِي رِوَايَةٍ «أَبَدَ الْأَبَدِ» وَفِي رِوَايَةٍ «قَدْ كُنْت آنَفُ أَنْ أَتْرُكَهَا مِنْ أَجْلِ جَلَدَاتِكُمْ، فَأَمَّا إذْ تَرَكْتُمُونِي فَوَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُهَا أَبَدًا» وَقَدْ بَرِئَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ بِبَنِي جَذِيمَةَ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِهِ لِحُسْنِ بَلَائِهِ وَنَصْرِهِ لِلْإِسْلَامِ." [1] ."

وإذا كان من اعتقاد أهل السنة أن الجهاد واجب وهو ماض إلى يوم القيام مع كل بر وفاجر لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر، وهؤلاء الذين يغزى معهم ويقصدهم العلماء هم القادة والأمراء، ولم يقل قائل ممن يعتد به إن فسقهم يمنعهم من القتال أو يحرم الغزو معهم والسمع والطاعة لهم في المعروف، فكيف إذا يمنع الفاسق الذي قد يكون جنديا مغمورا في الجيش من الجهاد والغزو بدعوى أن إيمانه لم يكتمل، وأن آيات الجهاد والإعداد لا تخاطبه وهو على تلك الحال من الفسق.

قال الإمام ابن حزم رحمه الله: فَمَنْ غَزَا مَعَ فَاسِقٍ فَلْيَقْتُلْ الْكُفَّارَ وَلِيُفْسِدْ زُرُوعَهُمْ وَدُورَهُمْ وَثِمَارَهُمْ، وَلْيَجْلِبْ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَلَا بُدَّ، فَإِنَّ إخْرَاجَهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إلَى نُورِ الْإِسْلَامِ فَرْضٌ يَعْصِي اللَّهَ مَنْ تَرَكَهُ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَإِثْمُهُمْ عَلَى مَنْ غَلَّهُمْ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ فَهِيَ أَقَلُّ مِنْ تَرْكِهِمْ فِي الْكُفْرِ وَعَوْنِهِمْ عَلَى الْبَقَاءِ فِيهِ، وَلَا إثْمَ بَعْدَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ مَنْ نَهَى عَنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ وَأَمَرَ بِإِسْلَامِ حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ [إلَيْهِمْ] مِنْ أَجْلِ فِسْقِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ لَا يُحَاسَبُ غَيْرُهُ بِفِسْقِهِ؟ [2]

وقال شيخ الإسلام رحمه الله مبينا أن آيات الجهاد يخاطب بها كل من كان من المؤمنين سواء كان برا أو فاجرا بل والمنافقون أيضا: وَأَهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا يَقُولُونَ: الْفُسَّاقُ

(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 14)

(2) - المحلى بالآثار (5/ 352)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت