تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا تُقُبِّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ" [1] "
وعَنْ أَبِي الْخَيْرِ، أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَادُ" [2] .
وَقَدِ اخْتَلَفَ طَرَائِقُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ، وَتَأْوِيلُهَا عَلَى ثَلاَثِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ مَنْدُوبًا إِلَيْهَا، ثُمَّ فُرِضَتْ بَعْدَ هِجْرَةِ النبي صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ ارْتَفَعَ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ، وَعَادَ الأَْمْرُ فِيهَا إِلَى النَّدْبِ وَالاِسْتِحْبَابِ، فَهُمَا هِجْرَتَانِ: الْمُنْقَطِعَةُ هِيَ الْمَفْرُوضَةُ، وَالْبَاقِيَةُ هِيَ الْمَنْدُوبَةُ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْخَطَّابِيِّ [3] .
وَالثَّانِي: أَنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ارْتَفَعَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ؛ لأَِنَّ مَكَّةَ صَارَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ دَارَ إِسْلاَمٍ، وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ عَنْهَا قَبْل ذَلِكَ وَاجِبَةً؛ لِكَوْنِهَا مَسَاكِنَ أَهْل الشِّرْكِ، فَمَنْ حَصَل عَلَيْهَا فَازَ بِهَا وَانْفَرَدَ بِفَضْلِهَا دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَهَذَا هُوَ الْفَرْضُ الَّذِي سَقَطَ. أَمَّا الْهِجْرَةُ الْبَاقِيَةُ الدَّائِمَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهِيَ هِجْرَةُ مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْكُفْرِ؛ إِذْ يَلْزَمُهُ أَنْ لاَ يُقِيمَ بِهَا حَيْثُ تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ، وَأَنْ يُهَاجِرَ وَيَلْحَقَ بِدَارِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ [4] ،إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ لاَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُهَاجِرِ بِهَا الرُّجُوعُ إِلَى
(1) - مسند أحمد ط الرسالة (3/ 206) (1671) حسن
(2) - مسند أحمد ط الرسالة (27/ 142) (16597) صحيح
(3) - مَعَالِم السُّنَنِ لِلْخَطَّابِيِّ 3/ 352، ومرقاة الْمَفَاتِيح 4/ 182، والمبسوط لِلسَّرَخْسِيِّ 10/ 6
(4) - شَرْح السُّنَّة لِلْبَغَوِيِّ 7/ 295، 10/ 373، ومرقاة الْمَفَاتِيح شَرْح مِشْكَاة الْمَصَابِيح لِلْمَلاَ عَلي الْقَارِّيّ 4/ 182، والمقدمات الْمُمَهِّدَات 2/ 153، وعارضة الأَْحْوَذِيّ 7/ 88، ونيل الأَْوْطَار 7/ 26، وشرح الأُْبِّيّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ 5/ 211، والنووي عَلَى مُسْلِمِ 13/ 8، وعمدة الْقَارِّيّ 11/ 317، وفتح الْبَارِي 6/ 39، 7/ 229، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 8/ 456