وَقَالُوا: إِنَّ الْقِيَامَ بِأَمْرِ الدِّينِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَالْهِجْرَةُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاجِبِ وَتَتِمَّتِهِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) } [النساء] .
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ حَالَةً أُخْرَى لِهِجْرَةٍ لاَ تُوصَفُ بِوُجُوبٍ وَلاَ اسْتِحْبَابٍ، كَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْهِجْرَةِ إِمَّا لِمَرَضٍ أَوْ إِكْرَاهٍ عَلَى الإِْقَامَةِ أَوْ ضَعْفٍ مِنَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَشَبَهِهِمْ، فَهَذَا لاَ هِجْرَةَ عَلَيْهِ [1] لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} .
الْقَوْل الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْخَطَّابِيِّ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْهِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً، بَل هِيَ مَنْدُوبَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ الْهِجْرَةُ مِنْ أَرْضٍ يُهْجَرُ فِيهِ الْمَعْرُوفُ، وَيَشِيعُ بِهِ الْمُنْكَرُ أَوْ مِنْ أَرْضٍ أَصَابَ فِيهِ الذَّنْبَ وَارْتَكَبَ الأَْمْرَ الْفَظِيعَ [2] .
قَال الْمُلاَّ الْقَارِيُّ: إِنَّ الْهِجْرَةَ الَّتِي هِيَ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ الَّتِي كَانَتْ مَطْلُوبَةً عَلَى الأَْعْيَانِ إِلَى الْمَدِينَةِ انْقَطَعَتْ، إِلاَّ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ بِسَبَبِ الْجِهَادِ أَوْ بِسَبَبِ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَالْفِرَارِ مِنْ دِيَارِ الْكُفْرِ أَوِ الْبِدْعَةِ أَوِ الْجَهْل أَوْ مِنَ الْفِتَنِ أَوْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ بَاقِيَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ [3] .
قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: اسْتَثْنَى فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ نَسْخِ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ مَا إِذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ [4] .
الْقَوْل الثَّالِثُ: قَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ الذَّهَابَ فِي الأَْرْضِ قِسْمَيْنِ: هَرَبًا وَطَلَبًا.
فَالأَْوَّل يَنْقَسِمُ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ:
(1) -الْمُغْنِي 8/ 457، وأسنى الْمَطَالِب 4/ 204
(2) - مِرْقَاة الْمَفَاتِيح 4/ 182، والبحر الرَّائِق 1/ 368، والمبسوط لِلسَّرَخْسِيِّ 10/ 6، وشرح السِّيَر الْكَبِير 1/ 94 ط مَطْبَعَة الإِْعْلاَنَات الشَّرْقِيَّة، ومعالم السُّنَن لِلْخَطَّابِيِّ 3/ 352، والفروع لاِبْن مُفْلِح 6/ 182
(3) - مِرْقَاة الْمَفَاتِيح 4/ 182
(4) - الْبَحْر الرَّائِق 1/ 368