فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 3472

إنه يقدّم نفسه لكل من يريد النظر فيه، والتعرف إليه .. غير مستند إلى تأويل أو تفسير .. فلسانه أفصح من كل لسان، وبيانه أوضح من كل بيان.

فالذين يعرفون العربية، يعرفون طريقهم إليه في غير عناء، ويضعون أيديهم على حقائقه من غير معاناة ..

والذين لا يعرفون العربية، يمكن أن تترجم لهم حقائقه، كما تترجم الدساتير القانونية، والحقائق العلمية .. ولا عليهم إن فاتهم إعجاز الكلمة، ومعجزة البيان .. فإن الحقائق التي تصل إليهم من خلال الترجمة، كافية في الكشف عن وجوه أخرى من الإعجاز، ممثلة في محكم أحكامه، وروعة حقائقه، وخلود مقرراته ..

والإسلام- في يسره، وسماحته، ومواءمته للفطرة الإنسانية- قريب من كل نفس، واضح لكل ذى نظر، واقع في فهم كل ذى فهم .. تلتقى عنده عقول المتعلمين والعلماء، وتجتمع عليه أنظار العامة والفلاسفة، بحيث يجد فيه كل عقل ما يغنيه ويرضيه، ويأخذ منه كل نظر ما يرشده ويسعده .. هكذا دائما آيات الله المبثوثة في هذا الوجود، ممّا يمسك على الناس حياتهم، ويحفظ وجودهم، لا تقصر عنها يد، ولا يستأثر بها إنسان دون إنسان، أو تختص بها جماعة دون جماعة، أو أمة دون أمة .. إنها من الله، ولعباد الله .. كالماء والهواء، والشمس، والقمر، والنجوم .. وإن كان لأحد أو لجماعة أو أمة نصيب أوفر، أو حظ أعظم، فهو مما زاد الحاجة التي لا تتطلبها ضرورات الحياة، وإن كان فيها متعة فوق متعة، ورضى فوق رضى .. فصاحب النظر الحديد يرى من جمال الوجود وروائع آياته ما لا يراه صاحب النظر الكليل، وصاحب الشمّ السليم، يجد من طيب الزهر وعبيره، ما لا يجده المزكوم ..

ومثل هذا تماما، موقف الناس جميعا أمام القرآن الكريم، وما تحمل سوره من آيات الله البينات .. الناس كلهم بين يديه- على اختلاف حظوظهم من العلم والمعرفة- على مائدة طيبة، طعامها هنىء لكل عقل، وشرابها مرىء سائغ لكل قلب .. من طعم منها لا يجد الجوع العقلي أبدا، ومن روى منها لا يعرف الظمأ الروحي أبدا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت