وفى توكيد الفعل «لنهدينّهم» توكيد لوعد الله، وأنه وعد أوجبه الله سبحانه على نفسه، كما يقول سبحانه: كان حقًّا عليْنا نصْر الْمؤْمنين» (47:الروم) وفى قوله سبحانه: «وإنّ اللّه لمع الْمحْسنين» تطمين لقلوب المؤمنين، وإشعار لهم بأن الله معهم، بعزته وقوته، وسلطانه .. ومن كان الله معه، فهو في أمان من أن يذلّ أو يهون: «أولئك حزْب اللّه ألا إنّ حزْب اللّه هم الْمفْلحون» (22:المجادلة) وفى وصف المجاهدين في سبيل الله بأنهم محسنون، إشارة إلى أن الجهاد في جميع صوره، هو إحسان، وأن المجاهد محسن، لأنه يأخذ طريق الإحسان، ويسلك مسالكه، على حين أن غير المجاهد مسىء، لأنه يركب مراكب الضلال، ويهيم في أودية الباطل ... فحيثما كان الإنسان مع الله سبحانه وتعالى، فهو في جهاد .. فإذا قهر المرء أهواء نفسه، ووساوس شيطانه، فهو مع الله، وفى جهاد في الله ... وإذا انتصر الإنسان لمظلوم، فهو مع الله وعلى جهاد في سبيل الله ... وإذا قال المرء كلمة الحقّ، وردّ بها باطلا، وسفّه بها ضلالا، فهو مع الله، وفى جهاد في الله .. وإذا حمل المرء سلاحه، ودخل الحرب تحت راية المجاهدين فهو مع الله، وفى جهاد في الله.
إن سبل الجهاد كثيرة، وميادينه متعددة ... بالقول، وبالعمل، باللسان وبالسيف، ولعلّ هذا هو السرّ في جمع السبيل في قوله تعالى: «والّذين جاهدوا فينا لنهْدينّهمْ سبلنا» .. فهناك أكثر من سبيل يصل به المؤمن إلى الله ... لأنها جميعها قائمة على الحق، والعدل، والإحسان. [1]
{والّذين جاهدوا فينا} وهم الذين هاجروا في سبيل الله، وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، {لنهْدينّهمْ سبلنا} أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون.
{وإنّ اللّه لمع الْمحْسنين} بالعون والنصر والهداية. دل هذا، على أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أمر به أعانه الله ويسر له أسباب الهداية، وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي، فإنه يحصل له من الهداية
(1) - التفسير القرآني للقرآن (11/ 470)