فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 3472

أمّا الْقسْم الْأوّل فينْقسم إلى قسْميْن لأنّ تلْك الْحجّة إمّا أنْ تكون حجّةً حقيقيّةً يقينيّةً مبرّأةً من احْتمال النّقيض، وإمّا أنْ لا تكون كذلك بلْ تكون مفيدةً ظنًّا ظاهرًا وإقْناعًا، فظهر انْحصار الْحجج في هذه الْأقْسام الثّلاثة:

أوّلها: الْحجّة الْمفيدة للْعقائد الْيقينيّة وذلك هو الْمسمّى بالْحكْمة.

وثانيها: الْأمارات الظّنّيّة وهي الْموْعظة الْحسنة.

وثالثها: الدّلائل الّتي الْقصْد منْها إفْحام الْخصْم وذلك هو الْجدل.

وهو على قسْميْن، لأنّه: إمّا أنْ يكون مركّبًا منْ مقدّمات مسلّمةٍ عنْد الْجمْهور وهو الْجدل الْواقع على الْوجْه الْأحْسن، وإمّا أنْ يكون مركّبًا منْ مقدّماتٍ باطلةٍ يحاول قائلها ترْويجها على الْمسْتمعين بالْحيل الْباطلة. وهذا لا يليق بأهْل الْفضْل» اه.

وهذا هو الْمدْعوّ في الْمنْطق بالسّفْسطة، ومنْه الْمقدّمات الشّعْريّة وهي سفْسطةٌ مزوّقةٌ.

والْآية جامعةٌ لأقْسام الْحجّة الْحقّ جمْعًا لمواقع أنْواعها في طرق الدّعْوة، ولكنْ على وجْه التّداخل، لا على وجْه التّباين والتّقْسيم كما هو مصْطلح الْمنْطقيّين، فإنّ الْحجج الاصْطلاحيّة عنْدهمْ بعْضها قسيمٌ لبعْضٍ، فالنّسْبة بيْنها التّباين. أمّا طرق الدّعْوة الْإسْلاميّة فالنّسْبة بيْنها الْعموم والْخصوص الْمطْلق أو الْوجْهيّ. وتفْصيله يخْرج بنا إلى تطْويلٍ، وذهْنك في تفْكيكها غيْر كليلٍ.

فإلى الْحكْمة ترْجع صناعة الْبرْهان لأنّه يتألّف من الْمقدّمات الْيقينيّة وهي حقائق ثابتةٌ تقْتضي حصول معْرفة الْأشْياء على ما هي عليْه.

وإلى الْموْعظة ترْجع صناعة الْخطابة لأنّ الْخطابة تتألّف منْ مقدّماتٍ ظنّيّةٍ لأنّها مراعًى فيها ما يغْلب عنْد أهْل الْعقول الْمعْتادة. وكفى بالْمقْبولات الْعاديّة موْعظةً. ومثالها من الْقرْآن قوْله تعالى ولا تنْكحوا ما نكح آباؤكمْ من النّساء إلّا ما قدْ سلف إنّه كان فاحشةً ومقْتًا وساء سبيلًا [سورة النّساء:22] فقوْله: ومقْتًا أشار إلى أنّهمْ كانوا إذا فعلوه في الْجاهليّة يسمّونه نكاح الْمقْت، فأجْري عليْه هذا الْوصْف لأنّه مقْنعٌ بأنّه فاحشةٌ، فهو اسْتدْلالٌ خطابيٌّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت