والاعتصام بحبل اللّه. وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة اللّه وحدها، وحققوا منهج اللّه في حياتهم كلها .. إلا عزوا وانتصروا، ووقاهم اللّه كيد أعدائهم، وكانت كلمتهم هي العليا. وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة أعدائهم الطبيعيين، الذين يحاربون عقيدتهم ومنهجهم سرا وجهرا، واستمعوا إلى مشورتهم، واتخذوا منهم بطانة وأصدقاء وأعوانا وخبراء ومستشارين .. إلا كتب اللّه عليهم الهزيمة، ومكن لأعدائهم فيهم، وأذل رقابهم، وأذاقهم وبال أمرهم .. والتاريخ كله شاهد على أن كلمة اللّه خالدة وأن سنة اللّه نافذة. فمن عمي عن سنة اللّه المشهودة في الأرض، فلن ترى عيناه إلا آيات الذلة والانكسار والهوان ..
بهذا ينتهي هذا الدرس وينتهي كذلك المقطع الأول في السورة. وقد وصل السياق إلى ذروة المعركة وقمة المفاصلة الكاملة الشاملة.
سماحة الإسلام في مواجهة الأعداء
ويحسن قبل أن ننهي هذا الدرس أن نقرر حقيقة أخرى، عن سماحة الإسلام في وجه كل هذا العداء.
فهو يأمر المسلمين ألا يتخذوا بطانة من هؤلاء. ولكنه لا يحرضهم على مقابلة الغل والحقد والكراهية والدس والمكر بمثلها. إنما هي مجرد الوقاية للجماعة المسلمة وللصف المسلم، وللكينونة المسلمة .. مجرد الوقاية ومجرد التنبيه إلى الخطر الذي يحيطها به الآخرون .. أما المسلم فبسماحة الإسلام يتعامل مع الناس جميعا وبنظافة الإسلام يعامل الناس جميعا وبمحبة الخير الشامل يلقى الناس جميعا يتقي الكيد ولكنه لا يكيد، ويحذر الحقد ولكنه لا يحقد. إلا أن يحارب في دينه، وأن يفتن في عقيدته، وأن يصد عن سبيل اللّه ومنهجه.
فحينئذ هو مطالب أن يحارب، وأن يمنع الفتنة، وأن يزيل العقبات التي تصد الناس عن سبيل اللّه، وعن تحقيق منهجه في الحياة. يحارب جهادا في سبيل اللّه لا انتقاما لذاته. وحبا لخير البشر لا حقدا على الذين آذوه. وتحطيما للحواجز الحائلة دون إيصال هذا الخير للناس. لا حبا للغلب والاستعلاء والاستغلال .. وإقامة للنظام القويم الذي يستمتع الجميع