فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 3472

ومن هنا كانت مهمته عسيرة شاقة، يحتاج معها إلى بصيرة نافذة، تتدسس إلى خفايا النفس الإنسانية، وتضع يدها على موطن الداء. ثم تختار من الدواء ما يشفى العلة، ويذهب بالداء ..

وقوله تعالى: «وجادلْهمْ بالّتي هي أحْسن» هو بيان لمرحلة من مراحل الدعوة، وهى المرحلة التالية، للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة .. فالرسول مطالب بأن يعرض مجادلا، فذلك من شأنه أن يعمّى على الحق، وأن يسدّ المنافذ الموصلة إليه، وإنما على الرسول أن يلقى جدال المجادلين بالحسنى، وأن يصرفهم عن هذا الجدل العقيم، إلى ما هو أجدى وأنفع لهم .. وقد أرى الله سبحانه وتعالى النبىّ المثل الأمثل فيما يلقى به المجادلين، حين أجاب سبحانه وتعالى عن سؤال إلى المشركين عن الأهلة، فقال تعالى: «يسْئلونك عن الْأهلّة .. قلْ هي مواقيت للنّاس والْحجّ» (189:البقرة) ففى هذا الجواب الحكيم، دعوة للمشركين أن ينصرفوا عن هذا الجدل العقيم حول الأهلة، وكيف تبدو صغيرة، ثم تكبر، ثم تعود صغيرة- إلى ما في هذه الأهلة، ودورتها، من آثار يتعرفون بها المواقيت لأمور الدين والدنيا جميعا .. ذلك هو الجدل بالتي هى أحسن وأقوم .. وعلى هذا المنهج ينبغى أن يكون جدل النبىّ، في كل موقف يكون بينه وبين المشركين أو الكافرين، جدال .. وقوله تعالى: «إنّ ربّك هو أعْلم بمنْ ضلّ عنْ سبيله وهو أعْلم بالْمهْتدين» - هو تهديد لأولئك الذين يجادلون بغير علم، ولغير غاية، إلا المراء والإعنات .. فالله أعلم بهؤلاء الضالين عن سبيله، لا يجتمعون مع المهتدين، ولا ينزلون منازلهم، بل يعزلون عنهم، ويلقى بهم في عذاب السعير. [1]

على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها، ويعين وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم، وللدعاة من بعده بدينه القويم فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه اللّه في هذا القرآن.

(1) - التفسير القرآني للقرآن (7/ 398)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت