فهرس الكتاب
ولهذا قال هاهنا: {ومنْ لمْ يحْكمْ بما أنزل اللّه فأولئك هم الْفاسقون} أي: الْخارجون عنْ طاعة ربّهمْ، الْمائلون إلى الْباطل، التّاركون للْحقّ. وقدْ تقدّم أنّ هذه الْآية نزلتْ في النّصارى، وهو ظاهر السّياق.
{وأنزلْنا إليْك الْكتاب بالْحقّ مصدّقًا لما بيْن يديْه من الْكتاب ومهيْمنًا عليْه فاحْكمْ بيْنهمْ بما أنزل اللّه ولا تتّبعْ أهْواءهمْ عمّا جاءك من الْحقّ لكلٍّ جعلْنا منْكمْ شرْعةً ومنْهاجًا ولوْ شاء اللّه لجعلكمْ أمّةً واحدةً ولكنْ ليبْلوكمْ في ما آتاكمْ فاسْتبقوا الْخيْرات إلى اللّه مرْجعكمْ جميعًا فينبّئكمْ بما كنْتمْ فيه تخْتلفون (48) وأن احْكمْ بيْنهمْ بما أنزل اللّه ولا تتّبعْ أهْواءهمْ واحْذرْهمْ أنْ يفْتنوك عنْ بعْض ما أنزل اللّه إليْك فإنْ تولّوْا فاعْلمْ أنّما يريد اللّه أنْ يصيبهمْ ببعْض ذنوبهمْ وإنّ كثيرًا من النّاس لفاسقون (49) أفحكْم الْجاهليّة يبْغون ومنْ أحْسن من اللّه حكْمًا لقوْمٍ يوقنون (50) }
وقوْله: {أفحكْم الْجاهليّة يبْغون ومنْ أحْسن من اللّه حكْمًا لقوْمٍ يوقنون} ينْكر تعالى على منْ خرج عنْ حكْم اللّه المحْكم الْمشْتمل على كلّ خيْرٍ، النّاهي عنْ كلّ شرٍّ وعدْلٍ إلى ما سواه من الْآراء والْأهْواء والاصْطلاحات، الّتي وضعها الرّجال بلا مسْتندٍ منْ شريعة اللّه، كما كان أهْل الْجاهليّة يحْكمون به من الضّلالات والْجهالات، ممّا يضعونها بآرائهمْ وأهْوائهمْ، وكما يحْكم به التّتار من السّياسات الْملكيّة الْمأْخوذة عنْ ملكهمْ جنْكزْخان، الّذي وضع لهم اليساق وهو عبارةٌ عنْ كتابٍ مجْموعٍ منْ أحْكامٍ قد اقْتبسها عنْ شرائع شتّى، من الْيهوديّة والنّصْرانيّة والْملّة الْإسْلاميّة، وفيها كثيرٌ من الْأحْكام أخذها منْ مجرّد نظره وهواه، فصارتْ في بنيه شرْعًا متّبعًا، يقدّمونها على الْحكْم بكتاب اللّه وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم .ومنْ فعل ذلك منْهمْ فهو كافرٌ يجب قتاله، حتّى يرْجع إلى حكْم اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحْكم سواه في قليلٍ ولا كثيرٍ، قال اللّه تعالى: {أفحكْم الْجاهليّة يبْغون} أيْ: يبْتغون ويريدون، وعنْ حكْم اللّه يعْدلون. {ومنْ أحْسن من اللّه حكْمًا لقوْمٍ يوقنون} أيْ: ومنْ أعْدل من اللّه في حكْمه لمنْ عقل عن اللّه شرْعه، وآمن به وأيْقن وعلم أنّه تعالى