فهرس الكتاب
على كتاب اللّه، وكلفوا أن يكونوا عليه شهداء، فيؤدوا له الشهادة في أنفسهم، بصياغة حياتهم الخاصة وفق توجيهاته، كما يؤدوا له الشهادة في قومهم بإقامة شريعته بينهم.
وقبل أن ينتهي السياق من الحديث عن التوراة، يلتفت إلى الجماعة المسلمة، ليوجهها في شأن الحكم بكتاب اللّه عامة، وما قد يعترض هذا الحكم من شهوات الناس وعنادهم وحربهم وكفاحهم، وواجب كل من استحفظ على كتاب اللّه في مثل هذا الموقف، وجزاء نكوله أو مخالفته: «فلا تخْشوا النّاس واخْشوْن ولا تشْتروا بآياتي ثمنًا قليلًا. ومنْ لمْ يحْكمْ بما أنْزل اللّه فأولئك هم الْكافرون» ..
ولقد علم اللّه - سبحانه - أن الحكم بما أنزل اللّه ستواجهه - في كل زمان وفي كل أمة - معارضة من بعض الناس ولن تتقبله نفوس هذا البعض بالرضى والقبول والاستسلام .. ستواجهه معارضة الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث. ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه ويرد الألوهية للّه خالصة، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به اللّه .. وستواجهه معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت. ذلك أن شريعة اللّه العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة .. وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال. ذلك أن دين اللّه سيأخذهم بالتطهر منها وسيأخذهم بالعقوبة عليها .. وستواجهه معارضة جهات شتى غير هذه وتيك وتلك ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض.
علم اللّه - سبحانه - أن الحكم بما أنزل ستواجهه هذه المقاومة من شتى الجبهات وأنه لا بد للمستحفظين عليه والشهداء أن يواجهوا هذه المقاومة وأن يصمدوا لها، وأن يحتملوا تكاليفها في النفس والمال .. فهو يناديهم: «فلا تخْشوا النّاس واخْشوْن» ..
فلا تقف خشيتهم للناس دون تنفيذهم لشريعة اللّه. سواء من الناس أولئك الطغاة الذين يأبون الاستسلام لشريعة اللّه، ويرفضون الإقرار - من ثم - بتفرد اللّه - سبحانه - بالألوهية. أو أولئك المستغلون الذين تحول شريعة اللّه بينهم وبين الاستغلال وقد مردوا عليه. أو تلك الجموع المضللة أو المنحرفة أو المنحلة التي تستثقل أحكام شريعة اللّه