فهرس الكتاب
قال أبو بكْرٍ: قوْله تعالى: {ومنْ لمْ يحْكمْ بما أنْزل اللّه فأولئك هم الْكافرون} لا يخْلو منْ أنْ يكون مراده كفْر الشّرْك والْجحود أوْ كفْرً النّعْمة منْ غيْر جحودٍ; فإنْ كان الْمراد جحود حكْم اللّه أوْ الْحكْم بغيْره مع الْإخْبار بأنّه حكْم اللّه، فهذا كفْرٌ يخْرج عنْ الْملّة وفاعله مرْتدٌّ إنْ كان قبْل ذلك مسْلمًا; وعلى هذا تأوّله منْ قال:"إنّها نزلتْ في بني إسْرائيل وجرتْ فينا"يعْنون أنّ منْ جحد منّا حكْم اللّه أوْ حكم بغيْر حكْم اللّه ثمّ قال إنّ هذا حكْم اللّه، فهو كافرٌ كما كفرتْ بنو إسْرائيل حين فعلوا ذلك، وإنْ كان الْمراد به كفْر النّعْمة فإنّ كفْران النّعْمة قدْ يكون بترْك الشّكْر عليْها منْ غيْر جحودٍ، فلا يكون فاعله خارجًا منْ الْملّة; والْأظْهر هو الْمعْنى الْأوّل لإطْلاقه اسْم الْكفْر على منْ لمْ يحْكمْ بما أنْزل اللّه. وقدْ تأوّلتْ الْخوارج هذه الْآية على تكْفير منْ ترك الْحكْم بما أنْزل اللّه منْ غيْر جحودٍ لها، وأكْفروا بذلك كلّ منْ عصى اللّه بكبيرةٍ أوْ صغيرةٍ، فأدّاهمْ ذلك إلى الْكفْر والضّلال بتكْفيرهمْ الْأنْبياء بصغائر ذنوبهمْ.
وقوْله في نسق الْآية: {ومنْ لمْ يحْكمْ بما أنْزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} دليلٌ على ثبوت هذا الْحكْم في وقْت نزول هذه الْآية منْ وجْهيْن: أحدهما: أنّه قدْ ثبت أنّ ذلك ممّا أنْزل اللّه ولمْ يفرّقْ بيْن شيْءٍ منْ الْأزْمان، فهو ثابتٌ في كلّ الْأزْمان إلى أنْ يرد نسْخه. والثّاني: معْلومٌ أنّهمْ اسْتحقّوا سمة الظّلْم والْفسْق في وقْت نزول الْآية لترْكهمْ الْحكْم بما أنْزل اللّه تعالى منْ ذلك وقْت نزول الْآية، إمّا جحودًا له أوْ ترْكًا لفعْل ما أوْجب اللّه منْ ذلك، وهذا يقْتضي وجوب الْقصاص في سائر النّفوس ما لمْ تقمْ دلالة نسْخه أوْ تخْصيصه. قوْله تعالى: {ولْيحْكمْ أهْل الْأنْجيل بما أنْزل اللّه فيه} قال أبو بكْرٍ: فيه دلالةٌ على أنّ ما لمْ ينْسخْ منْ شرائع الْأنْبياء الْمتقدّمين فهو ثابتٌ، على معْنى أنّه صار شريعةً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لقوْله: {ولْيحْكمْ أهْل الْأنْجيل بما أنْزل اللّه فيه} ومعْلومٌ أنّه لمْ يردْ أمْرهمْ باتّباع ما أنْزل اللّه في الْإنْجيل إلّا على أنّهمْ يتّبعون النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأنّه صار شريعةً له; لأنّهمْ لوْ اسْتعْملوا ما في الْإنْجيل مخالفين للنبيِّ صلى الله عليه وسلم غيْر متّبعين له لكانوا كفّارًا، فثبت بذلك أنّهمْ مأْمورون باسْتعْمال أحْكام تلْك الشّريعة على معْنى أنّها قدْ صارتْ شريعةً للنّبيّ عليْه السّلام.