فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 3472

هناك مصالحة أو مهادنة! وخير لهم أن يستعدوا للمعركة المحتومة بالوعي والعدة من أن يستسلموا للوهم والخديعة .. وهم يومئذ مأكولون مأكولون!

ثم نمضي مع السياق القرآني في توجيه اللّه - سبحانه - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لمواجهة أهل الكتاب، بعد تقرير بواعثهم واستنكار هذه البواعث في النقمة على المسلمين .. فإذا هو يجبههم بتاريخ لهم قديم، وشأن لهم مع ربهم، وعقاب أليم: «قلْ: هلْ أنبّئكمْ بشرٍّ منْ ذلك مثوبةً عنْد اللّه؟ منْ لعنه اللّه وغضب عليْه، وجعل منْهم الْقردة والْخنازير، وعبد الطّاغوت. أولئك شرٌّ مكانًا، وأضلّ عنْ سواء السّبيل!» وهنا تطالعنا سحنة يهود، وتاريخ يهود! إنهم هم الذين لعنهم اللّه وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير. إنهم هم الذين عبدوا الطاغوت ..

وقصة لعنة اللّه لهم وغضبه عليهم واردة في مواضع شتى من القرآن الكريم وكذلك قصة جعله منهم القردة والخنازير .. فأما قضية عبادتهم للطاغوت، فتحتاج إلى بيان هنا، لأنها لفتة ذات دلالة خاصة في سياق هذه السورة ..

إن الطاغوت هو كل سلطان لا يستمد من سلطان اللّه، وكل حكم لا يقوم على شريعة اللّه، وكل عدوان يتجاوز الحق .. والعدوان على سلطان اللّه وألوهيته وحاكميته هو أشنع العدوان وأشده طغيانا، وأدخله في معنى الطاغوت لفظا ومعنى ..

وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان ولكن اتبعوا شرعهم وتركوا شريعة اللّه. فسماهم اللّه عبادا لهم وسماهم مشركين .. وهذه اللفتة هنا ملحوظ فيها ذلك المعنى الدقيق. فهم عبدوا الطاغوت .. أي السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها .. وهم لم يعبدوها بمعنى السجود لها والركوع، ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة. وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة اللّه ومن دين اللّه [1] .

واللّه - سبحانه - يوجه رسوله - صلى الله عليه وسلم - لمجابهة أهل الكتاب بهذا التاريخ، وبذلك الجزاء الذي استحقوه من اللّه على هذا التاريخ .. كأنما هم جيل واحد بما أنهم جبلة

(1) - يراجع كتاب: «المصطلحات الأربعة» للسيد أبي الأعلى المودودي، أمير الجماعة الإسلامية بباكستان .. فصل: «العبادة» .. ويراجع كتاب: «هذا الدين» فصل: «منهج متفرد» ويراجع كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» فصل: «التوحيد» . «دار الشروق»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت