فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 3472

قد كان لكم يا معشر المؤمنين {أسْوةٌ حسنةٌ} أي: قدوة صالحة وائتمام ينفعكم، {في إبْراهيم والّذين معه} من المؤمنين، لأنكم قد أمرتم أن تتبعوا ملة إبراهيم حنيفا، {إذْ قالوا لقوْمهمْ إنّا برآء منْكمْ وممّا تعْبدون منْ دون اللّه} أي: إذ تبرأ إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين، من قومهم المشركين ومما يعبدون من دون الله.

ثم صرحوا بعداوتهم غاية التصريح، فقالوا: {كفرْنا بكمْ وبدا} أي: ظهر وبان {بيْننا وبيْنكم الْعداوة والْبغْضاء} أي: البغض بالقلوب، وزوال مودتها، والعداوة بالأبدان، وليس لتلك العداوة والبغضاء وقت ولا حد، بل ذلك {أبدًا} ما دمتم مستمرين على كفركم {حتّى تؤْمنوا باللّه وحْده} أي: فإذا آمنتم بالله وحده، زالت العداوة والبغضاء، وانقلبت مودة وولاية، فلكم أيها المؤمنون أسوة [حسنة] في إبراهيم ومن معه في القيام بالإيمان والتوحيد، والقيام بلوازم ذلك ومقتضياته، وفي كل شيء تعبدوا به لله وحده، {إلا} في خصلة واحدة وهي {قوْل إبْراهيم لأبيه} آزر المشرك، الكافر، المعاند، حين دعاه إلى الإيمان والتوحيد، فامتنع، فقال إبراهيم: {لأسْتغْفرنّ لك و} الحال أني لا {أمْلك لك من اللّه منْ شيْءٍ} لكني أدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا، فليس لكم أن تقتدوا بإبراهيم في هذه الحالة التي دعا بها للمشرك، فليس لكم أن تدعوا للمشركين، وتقولوا: إنا في ذلك متبعون لملة إبراهيم، فإن الله ذكر عذر إبراهيم في ذلك بقوله: {وما كان اسْتغْفار إبْراهيم لأبيه إلا عنْ موْعدةٍ وعدها إيّاه فلمّا تبيّن له أنّه عدوٌّ للّه تبرّأ منْه إن إبراهيم لأواه حليم}

ولكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه، حين دعوا الله وتوكلوا عليه وأنابوا إليه، واعترفوا بالعجز والتقصير، فقالوا: {ربّنا عليْك توكّلْنا} أي: اعتمدنا عليك في جلب ما ينفعنا ودفع ما يضرنا، ووثقنا بك يا ربنا في ذلك. {وإليْك أنبْنا} أي: رجعنا إلى طاعتك ومرضاتك وجميع ما يقرب إليك، فنحن في ذلك ساعون، وبفعل الخيرات مجتهدون، ونعلم أنا إليك نصير، فسنستعد للقدوم عليك، ونعمل ما يقربنا الزلفى إليك.

{ربّنا لا تجْعلْنا فتْنةً للّذين كفروا} أي: لا تسلطهم علينا بذنوبنا، فيفتنونا، ويمنعونا مما يقدرون عليه من أمور الإيمان، ويفتنون أيضا بأنفسهم، فإنهم إذا رأوا لهم الغلبة، ظنوا أنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت