حَتَّى لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ اشْتَرَكُوا فِي الْمَأْثَمِ. وَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ. وَفِي مِثْلِ هَذَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُ مَنْصُوبٌ لِذَلِكَ نَائِبٌ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ. فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَطِّلَ الثُّغُورَ، وَلَا يَدَعَ الدُّعَاءَ إلَى الدِّينِ وَحَثَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْجِهَادِ.
وَإِذَا نَدَبَ النَّاسَ إلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَعْصُوهُ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْخُرُوجِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدَعَ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ إلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ إعْطَاءِ جِزْيَةٍ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ.
وَإِنْ كَانُوا قَوْمًا لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ، فَإِنَّهُ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَدْعُوهُمْ إلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ إذَا أَجَابُوا إلَى إحْدَاهُمَا، وَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْهُمَا فَحِينَئِذٍ يُقَاتَلُونَ.
وَفِي أَهْلِ الْكِتَابِ الْعَرَبِيُّ وَغَيْرُ الْعَرَبِيِّ سَوَاءٌ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] وَكُلُّ مُسْلِمٍ فِي هَذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَدْ بُعِثَ دَاعِيًا إلَى مَا بَيَّنَّا، وَأُمِرَ بِالْقِتَالِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مَنْ أَبَى.
-قَالَ: وَإِنْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: وَادِعُونَا عَلَى أَنْ لَا نُقَاتِلَكُمْ وَلَا تُقَاتِلُونَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوهُمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ} [آل عمران:139] .وَلِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ، فَإِنَّمَا طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ عَلَى أَنْ تُتْرَكَ فَرِيضَةٌ، وَلَا يَجُوزُ إجَابَتُهُمْ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ، كَمَا لَوْ طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ عَلَى أَنْ لَا يُصَلُّوا وَلَا يَصُومُوا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ شَدِيدَةٌ لَا يَقْوَى عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُوَادِعَهُمْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ ثُمَّ يَنْبِذُ إلَيْهِمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال:61] .وَصَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَضَعَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْجِهَادِ فِي حِفْظِ الْمُسْلِمِينَ قُوَّةُ أَنْفُسِهِمْ أَوَّلًا، ثُمَّ فِي قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، فَإِذَا