اللّه - صلى الله عليه وسلم - فأمر بحرق فلان وفلان (رجلين من قريش) عاد فنهى عن حرقهما، لأنه لا يحرق بالنار إلا اللّه [1] .
ثم يمعن السياق في توكيد القتال لهؤلاء الذين قاتلوا المسلمين وفتنو هم في دينهم، وأخرجوهم من ديارهم، والمضي في القتال حتى يقتلو هم على أية حالة، وفي أي مكان وجدوهم. باستثناء المسجد الحرام. إلا أن يبدأ الكفار فيه بالقتال. وإلا أن يدخلوا في دين اللّه فتكف أيدي المسلمين عنهم، مهما كانوا قد آذوهم من قبل وقاتلوهم وفتنوهم: «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ - وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ. وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ. فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ. كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية. ومن ثم فهي أشد من القتل. أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة. ويستوي أن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي، أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج اللّه، وتزين لهم الكفر به أو الإعراض عنه. وأقرب الأمثلة على هذا هو النظام الشيوعي الذي يحرم تعليم الدين ويبيح تعليم الإلحاد، ويسن تشريعات تبيح المحرمات كالزنا والخمر، ويحسنها للناس بوسائل التوجيه بينما يقبح لهم اتباع الفضائل المشروعة في منهج اللّه. ويجعل من هذه الأوضاع فروضا حتمية لا يملك الناس التفلت منها.
وهذه النظرة الإسلامية لحرية العقيدة، وإعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشرية .. هي التي تتفق مع طبيعة الإسلام، ونظرته إلى غاية الوجود الإنساني. فغاية الوجود الإنساني هي العبادة (ويدخل في نطاقها كل نشاط خير يتجه به صاحبه إلى اللّه) .وأكرم ما في الإنسان
(1) - فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - 2 - فِى بَعْثٍ فَقَالَ «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - 2 - حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ «إِنِّى أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» - صحيح البخارى- المكنز [11/ 58] (3016) والمسند الجامع [18/ 81] (14633)