فهرس الكتاب
كَانَ بِهَا مِنْهُمْ، وَفَتَحُوا أَيْضًا أَرْضَ مِصْرَ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَوْلِينَ عَلَيْهَا نَحْوَ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَاتَّفَقُوا هُمْ وَالنَّصَارَى، فَجَاهَدَهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى فَتَحُوا الْبِلَادَ، وَمِنْ ذَلِكَ التَّارِيخِ انْتَشَرَتْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ.
ثُمَّ إنَّ التَّتَارَ مَا دَخَلُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ وَقَتَلُوا خَلِيفَةَ بَغْدَادَ وَغَيْرَهُ مِنْ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ لَا بِمُعَاوَنَتِهِمْ وَمُؤَازَرَتِهِمْ؛ فَإِنَّ مُنَجِّمَ هُولَاكُو الَّذِي كَانَ وَزِيرَهُمْ وَهُوَ"النُّصَيْرُ الطُّوسِيُّ"كَانَ وَزِيرًا لَهُمْ بِالْأَلْمُوتِ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِقَتْلِ الْخَلِيفَةِ وَبِوِلَايَةِ هَؤُلَاءِ.
وَلَهُمْ"أَلْقَابٌ"مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ تَارَةً يُسَمَّوْنَ"الْمَلَاحِدَةَ"وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ"الْقَرَامِطَةَ"وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ"الْبَاطِنِيَّةَ"وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ"الْإِسْمَاعِيلِيَّة"وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ"النُّصَيْرِيَّةَ"وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ"الخرمية"،وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ"الْمُحَرِّمَةَ"وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ مِنْهَا مَا يَعُمُّهُمْ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ بَعْضَ أَصْنَافِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ وَلِبَعْضِهِمْ اسْمٌ يَخُصُّهُ إمَّا لِنَسَبٍ، وَإِمَّا لِمَذْهَبٍ، وَإِمَّا لِبَلَدٍ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَشَرْحُ مَقَاصِدِهِمْ يَطُولُ، وَهُمْ كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ: ظَاهِرُ مَذْهَبِهِمْ الرَّفْضُ، وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ. وَحَقِيقَةُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ؛ لَا بِنُوحٍ، وَلَا إبْرَاهِيمَ، وَلَا مُوسَى، وَلَا عِيسَى وَلَا مُحَمَّدٍ - عليهم السلام أجْمَعِينَ -،وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ، لَا التَّوْرَاةِ، وَلَا الْإِنْجِيلِ، وَلَا الْقُرْآنِ. وَلَا يُقِرُّونَ بِأَنَّ لِلْعَالَمِ خَالِقًا خَلَقَهُ وَلَا بِأَنَّ لَهُ دِينًا أَمَرَ بِهِ، وَلَا أَنَّ لَهُ دَارًا يَجْزِي النَّاسَ فِيهَا عَلَى أَعْمَالِهِمْ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ.
وَهُمْ تَارَةً يَبْنُونَ قَوْلَهُمْ عَلَى مَذَاهِبِ الْفَلَاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ أَوْ الْإِلَهِيِّينَ، وَتَارَةً يَبْنُونَهُ عَلَى قَوْلِ الْمَجُوسِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النُّورَ، وَيَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ الرَّفْضَ.
وَيَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّاتِ: إمَّا بِقَوْلٍ مَكْذُوبٍ يَنْقُلُونَهُ، كَمَا يَنْقُلُونَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ» وَالْحَدِيثُ. مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ؛ وَلَفْظُهُ «إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْعَقْلَ، فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ. فَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ» فَيُحَرِّفُونَ لَفْظَهُ فَيَقُولُونَ «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ» ،لِيُوَافِقُوا قَوْلَ الْمُتَفَلْسِفَةِ أَتْبَاعِ أَرِسْطُو فِي أَنَّ أَوَّلَ الصَّادِرَاتِ عَنْ وَاجِبِ الْوُجُودِ هُوَ الْعَقْلُ. وَإِمَّا بِلَفْظٍ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -