أَنْ يَجِبَ مَرَّةً، أَوْ عَدَدًا مَحْدُودًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، أَوْ أَبَدًا مَا امْتَدَّ الْعُمْرُ بِلَا نِهَايَةٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ رَابِعٍ.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّهُ يَجِبُ أَبَدًا مَا امْتَدَّ بِهِ الْعُمْرُ بِلَا نِهَايَةٍ: تَرَكْتُمْ قَوْلَكُمْ وَصِرْتُمْ إلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنْ يُسْتَتَابَ الْمُرْتَدُّ أَبَدًا، وَلَا يُقْتَلَ - وَهَذَا لَيْسَ هُوَ قَوْلَكُمْ، وَلَوْ كَانَ لَكُنَّا قَدْ أَبْطَلْنَاهُ آنِفًا، وَلَوْ كَانَ هَذَا أَيْضًا لَبَطَلَ الْجِهَادُ جُمْلَةً، لِأَنَّ الدُّعَاءَ كَانَ يَلْزَمُ أَبَدًا مُكَرَّرًا بِلَا نِهَايَةٍ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ أَصْلًا، وَلَيْسَ دُعَاءُ الْمُرْتَدِّ - وَهُوَ أَحَدُ الْكُفَّارِ - بِأَوْجَبَ مِنْ دُعَاءِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ الْحَرْبِيِّينَ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّهُ يَجِبُ عَدَدًا مُحَدَّدًا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ: كُنْتُمْ قَائِلِينَ بِلَا دَلِيلٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111] .
وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُسْتَتَابُ مَرَّتَيْنِ بِأَوْلَى مِمَّنْ قَالَ: ثَلَاثَةً، وَلَا مِمَّنْ قَالَ: أَرْبَعًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِلَا بُرْهَانٍ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ بِلَا شَكٍّ.
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُدْعَى مَرَّةً؟ فَيُقَالُ لَهُ: إنَّ مَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ: قَدْ تَقَدَّمَ دُعَاؤُهُ إلَى الْإِسْلَامِ حِينَ أَسْلَمَ بِلَا شَكٍّ، إنْ كَانَ دَخِيلًا فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ حِينَ بَلَغَ، وَعَلِمَ شَرَائِعَ الدِّينِ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ.
وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ التَّكْرَارَ لَا يَلْزَمُ، فَالْوَاجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، إذْ قَدْ اتَّفَقْنَا - نَحْنُ وَأَنْتُمْ - عَلَى وُجُوبِ قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُرَاجِعْ الْإِسْلَامَ، فَالِاشْتِغَالُ عَنْ ذَلِكَ وَتَأْخِيرُهُ بِاسْتِتَابَةٍ، وَدُعَاءٍ: لَا يُلْزِمَانِ تَرْكَ الْإِقَامَةِ عَلَيْهِ - وَهَذَا لَا يَجُوزُ؟ قَالُوا: وَنَحْنُ لَمْ نَمْنَعْ مِنْ دُعَائِهِ إلَى الْإِسْلَامِ فِي خِلَالِ ذَلِكَ دُونَ تَأْخِيرٍ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَلَا تَضْيِيعٍ لَهُ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا: هَلْ يَجِبُ دُعَاؤُهُ وَاسْتِتَابَتُهُ فَرْضًا أَمْ لَا؟ فَهَاهُنَا اخْتَلَفْنَا، فَأَوْجَبْتُمُوهُ بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَمْ نُوجِبْ نَحْنُ وَلَا مَنَعْنَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: نَدْعُوهُ مَرَّةً بَعْدَ الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ السَّالِفِ: لَمْ تَكُونُوا بِأَوْلَى مِمَّنْ قَالَ: بَلْ اُدْعُوهُ مَرَّةً ثَانِيَةً أَيْضًا بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ؟ أَوْ مِمَّنْ قَالَ: بَلْ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ.
أَوْ مِمَّنْ قَالَ: بَلْ الرَّابِعَةُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ - وَهَكَذَا أَبَدًا.
فَبَطَلَ بِلَا شَكٍّ مَا أَوْجَبْتُمْ فَرْضًا مِنْ اسْتِتَابَتِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَكْثَرَ.