{اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات:12] ،وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الْحَسَدِ وَاحْتِقَارِ النَّاسِ وَإِرَادَةِ الْمَكْرُوهِ بِهِمْ اهـ.
وَاعْتَرَضَ هَذَا الْأَشْيَاخُ بِأَنَّ الْعَزْمَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ مَا لَهُ صُورَةٌ فِي الْخَارِجِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا مَا لَا صُورَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ كَالِاعْتِقَادَاتِ وَضَغَائِنِ النَّفْسِ مِنْ الْحَسَدِ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ مِنْ صُوَرِ مَحَلِّ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ فِي نَفْسِهِ بِهِ وَقَعَ التَّكْلِيفُ فَلَا يُحْتَجُّ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي فِيهِ وَلْيَكُنْ هَذَا آخِرَ مَا ظَهَرَ كَتْبُهُ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الْمُفِيدِ الْمُوَجَّهِ مِنْ قِبَلِ الْفَقِيهِ الْمُعَظَّمِ الْخَطِيبِ الْفَاضِلِ الْقُدْوَةِ الصَّالِحِ الْبَقِيَّةِ وَالْجُمْلَةِ الْفَاضِلَةِ النَّقِيَّةِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُطْبَةَ أَدَامَ اللَّهُ تَعَالَى سُمُوَّهُ وَرُقِيَّهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجَمَ هَذَا الْجَوَابُ وَيُسَمَّى بِأَسْنَى الْمَتَاجِرِ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ مَنْ غَلَبَ عَلَى وَطَنِهِ النَّصَارَى، وَلَمْ يُهَاجِرْ وَمَا يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مِنْ الْعُقُوبَاتِ وَالزَّوَاجِرِ وَاَللَّهُ أَسْأَلُ أَنْ يُنَفِّعَ بِهِ وَيُضَاعِفَ الْأَجْرَ بِسَبَبِهِ، قَالَهُ وَخَطَّهُ الْعَبْدُ الْمُسْتَغْفِرُ الْفَقِيرُ الْمُسْلِمُ عُبَيْدُ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَنْشَرِيسِيُّ وَفَقَّهَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ كَتْبِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ التَّاسِعَ عَشْرَ لِذِي الْقِعْدَةِ الْحَرَامِ عَامَ سَنَةٍ وَتِسْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عَرَّفَنَا اللَّهُ خَيْرَهُ اهـ.
وَنَصُّ السُّؤَالِ الْمُجَابِ عَنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ جَوَابُكُمْ يَا سَيِّدِي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكُمْ - وَمَتَّعَ الْمُسْلِمِينَ بِحَيَاتِكُمْ فِي نَازِلَةٍ، وَهِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ الْأَنْدَلُسِ وَتَرَكُوا هُنَالِكَ الدُّورَ وَالْأَرْضِينَ وَالْجَنَّاتِ وَالْكُرُومَاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأُصُولِ وَبَذَلُوا عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةً كَثِيرَةً مِنْ نَاضِّ الْمَالِ وَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِ الْمِلَّةِ الْكَافِرَةِ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِإِيمَانِهِمْ، وَأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَمَا بَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ أَوْ بِأَيْدِي بَعْضِهِمْ مِنْ الْأَمْوَالِ وَاسْتَقَرُّوا بِحَمْدِ اللَّهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ تَحْتَ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَحُكْمِ الذِّمَّةِ الْمُسْلِمَةِ نَدِمُوا عَلَى الْهِجْرَةِ بَعْدَ حُضُورِهِمْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَسَخِطُوا وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ وَجَدُوا الْحَالَ عَلَيْهِمْ ضَيِّقَةً، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا بِدَارِ الْإِسْلَامِ الَّتِي هِيَ الْمَغْرِبُ هَذِهِ صَانَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَحَرَسَ أَوْطَانَهَا وَنَصَرَ سُلْطَانَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّسَبُّبِ فِي طَلَبِ أَنْوَاعِ الْمَعَاشِ عَلَى الْجُمْلَةِ رِفْقًا وَلَا يُسْرًا وَلَا مُرْتَفِقًا وَلَا إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْأَقْطَارِ أَمْنًا لَائِقًا وَصَرَّحُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى بِأَنْوَاعٍ مِنْ قَبِيحِ الْكَلَامِ الدَّالِّ عَلَى ضَعْفِ