اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ لِلْحَرْبِيِّ، فَرَأَى الْحَنَابِلَةُ جَوَازَهَا مُطْلَقًا. وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ. وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ، وَعَدَمُ الصِّحَّةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَمَنَعَهَا الْحَنَفِيَّةُ إِذَا كَانَ الْمُوصِي فِي دَارِ الإِسْلاَمِ وَالْمُوصَى لَهُ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَإِنْ كَانَ الْمُوصِي وَالْمُوصَى لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَوُجْهَةُ مَنْ مَنَعَ الْوَصِيَّةَ لَهُمْ أَنَّ التَّبَرُّعَ لَهُمْ بِتَمْلِيكِهِمُ الْمَال إِعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَيْضًا نَحْنُ قَدْ أُمِرْنَا بِقَتْل الْحَرْبِيِّ وَأَخْذِ مَالِهِ، فَلاَ مَعْنَى لِلْوَصِيَّةِ لَهُ. وَمِنْ أَجَل هَذَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَلَوْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ، وَلَوْ جَاءَ الْحَرْبِيُّ لِدَارِ الإِسْلاَمِ لِأَخْذِ وَصِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَالَّذِينَ أَجَازُوهَا نَظَرُوا إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ، وَلاَ يَمْتَنِعُ التَّمْلِيكُ لِلْحَرْبِيِّ، قِيَاسًا لَهُ عَلَى الْبَيْعِ [1] .
أَمَّا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، لَوْ أَوْصَى لَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَرُوِيَ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ، وَيُمَكَّنُ مِنْهُ، وَلاَ يُمَكَّنُ مِنْ زِيَادَةِ الْمُقَامِ عَلَى السَّنَةِ إِلاَّ بِجِزْيَةٍ.
وَلَوْ أَوْصَى الْمُسْتَأْمَنُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِجَوَازِهِ - وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ كَلاَمُ غَيْرِهِمْ - لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مُلْتَزِمٌ لِأَحْكَامِ الإِسْلاَمِ. وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَوْ أَوْصَى لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِكُل مَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ بِدَارِ الإِسْلاَمِ أَحَدٌ جَازَ، وَلاَ عِبْرَةَ بِوَرَثَتِهِ الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّنَا؛ وَلِأَنَّهُ لاَ عِصْمَةَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلاَ لِأَمْوَالِهِمْ، فَلأََنْ لاَ يَكُونَ لِحَقِّهِمُ الَّذِي فِي مَال مُوَرِّثِهِمْ عِصْمَةٌ أَوْلَى. فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ مَعَهُ وَقَفَ الْجَوَازُ عَلَى إِجَازَتِهِمْ. [2]
الْقِصَاصُ:
(1) - الهندية 6/ 92، والدسوقي على الشرح الكبير 4/ 426 ط عيسى الحلبي، والعدوى علي الخرشي 8/ 170، وكشاف القناع 4/ 296 مطبعة أنصار السنة 1372 هـ
(2) - الدر المحتار بحاشية الطحطاوي 4/ 336 ط بولاق؛ والبدائع 1/ 335؛ وانظر العناية على الهداية ط بولاق 8/ 488