وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى الأَمَانَ لاَ يُصَدَّقُ فِيهِ، بَل يُطَالَبُ بِبَيِّنَةٍ؛ لِإِمْكَانِهَا غَالِبًا، وَلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْل الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ مَنْ دَخَل مِنَ الْحَرْبِيِّينَ دَارَ الإِسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِل مِنْهُ، وَيُحْقَنُ دَمُهُ، إِنْ صَدَّقَتْهُ عَادَةً، كَدُخُول تُجَّارِهِمْ إِلَيْنَا وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُمْكِنٌ، فَيَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقَتْل؛ وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهُ، وَلِجَرَيَانِ الْعَادَةِ مَجْرَى الشَّرْطِ.
فَيَصْدُقُ إِنْ كَانَ مَعَهُ تِجَارَةٌ يَتَّجِرُ بِهَا؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ لاَ تَحْصُل بِغَيْرِ مَالٍ، وَيُصَدَّقُ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ إِنْ كَانَ مَعَهُ رِسَالَةٌ يُؤَدِّيهَا. وَإِنْ قَال: أَمَّنَنِي مُسْلِمٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْبَل تَغْلِيبًا لِحَقْنِ دَمِهِ، كَمَا يُقْبَل مِنَ الرَّسُول وَالتَّاجِرِ.
وَالثَّانِي: لاَ يُقْبَل؛ لِأَنَّ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ مُمْكِنَةٌ. فَإِنْ قَال مُسْلِمٌ: أَنَا أَمَّنْتُهُ، قُبِل قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ، فَقُبِل قَوْلُهُ فِيهِ، كَالْحَاكِمِ إِذَا قَال: حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ بِحَقٍّ. [1]
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أُخِذَ الْحَرْبِيُّ بِأَرْضِ الْحَرْبِيِّينَ حَال كَوْنِهِ مُقْبِلًا إِلَيْنَا، أَوْ قَال: جِئْتُ أَطْلُبُ الأَمَانَ مِنْكُمْ، أَوْ أُخِذَ بِأَرْضِنَا وَمَعَهُ تِجَارَةٌ، وَقَال لَنَا: إِنَّمَا دَخَلْتُ أَرْضَكُمْ بِلاَ أَمَانٍ، لِأَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ لاَ تَتَعَرَّضُونَ لِتَاجِرٍ، أَوْ أُخِذَ عَلَى الْحُدُودِ بَيْنَ أَرْضِنَا وَأَرْضِهِمْ، وَقَال مَا ذُكِرَ، فَيُرَدُّ لِمَأْمَنِهِ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ. فَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةُ كَذِبٍ، لَمْ يُرَدَّ لِمَأْمَنِهِ [2] .
أَمَّا إِنْ دَخَل الْحَرْبِيُّ بِلاَدَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَلَمْ تَتَحَقَّقْ حَالَةٌ مِنَ الْحَالاَتِ السَّابِقَةِ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُعْتَبَرُ كَالأَسِيرِ أَوِ الْجَاسُوسِ، فَيُخَيَّرُ فِيهِ الإِمَامُ بَيْنَ الْقَتْل
(1) - المبسوط 10/ 93، ورد المحتار 3/ 248، وشرح السير الكبير 1/ 198، ومغني المحتاج 4/ 243، وكشاف القناع 3/ 100، والمغني 8/ 437، 523.والحنفية ومعهم الحنابلة اشترطوا لتصديق الرسول أن يكون معه كتاب يشبه أن يكون كتاب مليكه، وإن احتمل أنه مفتعل، لأن الرسول آمن، كما جرى به عرف الجاهلية والإسلام، وأما الشافعية فلم يشترطوا وجود كتاب معه، كما ذكر أعلاه.
(2) - الشرح الكبير 2/ 186، والشرح الصغير 2/ 289.