قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَالثَّبْتُ عِنْدَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ مُحَارَبٍ وَقَدْ بَيَّنَّا فَصْلَ مَا بَيْنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ، فَأَمَّا الصَّدَقَةُ، فَلَيْسَتْ تَدْخُلُ فِي شَيْءٍ مِنْ حُكْمِ هَذَيْنِ الْمَالَيْنِ، إِنَّمَا هِيَ زَكَاةُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَوَاضِعُهَا الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَلَا تَكُونُ عَطَاءً لِلْمُقَاتِلَةِ، فَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ، قَدْ أَمَرَ بِأُعْطِيَاتِكُمْ وَافِرَةً غَيْرَ مَنْقُوصَةٍ، وَقَدِ اجْتَهَدَ نَفْسَهُ لَكُمْ، وَقَدْ عَجَزَ مِنَ الْمَالِ مِائَةُ أَلْفٍ، وَذَلِكَ لِمَا دَخَلَ فِيكُمْ مِنَ الْإِلْحَاقِ وَالْفَرَائِضِ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ آخُذَهَا مِنْ صَدَقَةِ مَالِ الْيَمَنِ إِذَا مَرَّتْ عَلَيْنَا، قَالَ: فَجَثَا النَّاسُ عَلَى رُكَبِهِمْ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِمْ يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ، مَا نَأْخُذُ مِنْهَا دِرْهَمًا وَاحِدًا، إِنَّا نَأْخُذُ حَقَّ غَيْرِنَا، إِنَّمَا مَالُ الْيَمَنِ صَدَقَةٌ، وَالصَّدَقَةُ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ، وَإِنَّمَا عَطَاؤُنَا مِنَ الْجِزْيَةِ، فَاكْتُبْ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَبْعَثُ إِلَيْنَا بِبَقِيَّةِ عَطَائِنَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مُعَاوِيَةُ بِبَقِيَّتِهِ" [1] "
وفي شرح السير:"بَابُ صِلَةِ الْمُشْرِكِ وَذَكَرَ عَنْ أَبِي مَرْوَانَ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قُلْت لِمُجَاهِدٍ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، وَلِي عَلَيْهِ مَالٌ، أَدَعُهُ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَصِلْهُ."
وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَصِلَ الْمُسْلِمُ الْمُشْرِكَ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، مُحَارِبًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا لِحَدِيثِ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: صَلَّيْت الصُّبْحَ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَوَجَدْت مَسَّ كَفٍّ بَيْنَ كَتِفِي، فَالْتَفَتّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ وَاهِبٌ لِي ابْنَةَ أُمِّ قِرْفَةَ؟ قُلْت: نَعَمْ. فَوَهَبْتهَا لَهُ. فَبَعَثَ بِهَا إلَى خَالِهِ حَزَنَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ، وَهُوَ مُشْرِكٌ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ. وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ إلَى مَكَّةَ حِينَ قَحَطُوا، وَأَمَرَ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ لِيُفَرِّقَا عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ. فَقَبِلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ، وَأَبَى صَفْوَانُ وَقَالَ: مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ بِهَذَا إلَّا أَنْ يَخْدَعَ شُبَّانَنَا» .
وَلِأَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحْمُودٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ وَفِي كُلِّ دِينٍ، وَالْإِهْدَاءَ إلَى الْغَيْرِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَقَالَ - صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» .فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ جَمِيعًا.
(1) - الأموال لابن زنجويه (2/ 589) (968) والحديث حسن