الذِّمَّةُ عَلَى مَا أَعْطَوْا، وَلَوْ أَعْطَوْا ذِمَّةً مُنْتَقِصَةً خَلَّى سَبِيلَهُمْ وَنَبَذَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ سَبَاؤُهُمْ وَالْغَلَبَةُ عَلَى بِلَادِهِمْ كَانَ قَبْلَ إعْطَاءِ الْإِمَامِ إيَّاهُمْ مَا أَعْطَاهُمْ مَضَى عَلَيْهِمْ السِّبَاءُ وَبَطَلَ مَا أَعْطَى الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى الْأَمَانَ مَنْ كَانَ رَقِيقًا وَمَا لَهُ غَنِيمَةً، أَوْ فَيْئًا كَمَا لَوْ أَعْطَى قَوْمًا حَوَوْا أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ. [1]
وقال الجصاص:
قَوْله تَعَالَى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: نَسَخَتْهَا {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] .وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية:22] وقَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق:45] وقَوْله تَعَالَى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة:13] وقَوْله تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} [الجاثية:14] .قَالَ: نَسَخَ هَذَا كُلَّهُ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] وقَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ} [التوبة:29] الْآيَةُ، وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} وقَوْله تَعَالَى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وقَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63] يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُتَارَكَةً. فَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا أُنْزِلَتْ قَبْلَ لُزُومِ فَرْضِ الْقِتَالِ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ; وَإِنَّمَا كَانَ الْغَرَضُ الدُّعَاءَ إلَى الدِّينِ حِينَئِذٍ بِالْحِجَاجِ وَالنَّظَرِ فِي مُعْجِزَاتِ النبي صلى الله عليه وسلم وَمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ، وَأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَحْوُهُ قَوْله تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} [سبأ:46] وقَوْله تَعَالَى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف:24] وقَوْله تَعَالَى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي
(1) - الأم للشافعي (4/ 181)