وفي النظام الإسلامي وحده يتحرر الإنسان من هذه الربقة .. ويصبح حرا. حرا يتلقى التصورات والنظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين من اللّه وحده، شأنه في هذا شأن كل إنسان آخر مثله. فهو وكل إنسان آخر على سواء. كلهم يقفون في مستوى واحد، ويتطلعون إلى سيد واحد، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون اللّه.
والإسلام - بهذا المعنى - هو الدين عند اللّه. وهو الذي جاء به كل رسول من عند اللّه .. لقد أرسل اللّه الرسل بهذا الدين ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه. ومن جور العباد إلى عدل اللّه .. فمن تولى عنه فليس مسلما بشهادة اللّه. مهما أول المؤولون، وضلل المضللون .. «إنّ الدّين عنْد اللّه الْإسْلام» ..
عن ابْن عبّاسٍ، قال:"اجْتمعتْ نصارى نجْران وأحْبار يهود عنْد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فتنازعوا عنْده، فقالت الْأحْبار: ما كان إبْراهيم إلّا يهوديًّا، وقالت النّصارى: ما كان إبْراهيم إلّا نصْرانيًّا، فأنْزل اللّه عزّ وجلّ فيهمْ: يا أهْل الْكتاب لم تحاجّون في إبْراهيم وما أنْزلت التّوْراة والْإنْجيل إلّا منْ بعْده أفلا تعْقلون قالت النّصارى: كان نصْرانيًّا، وقالت الْيهود: كان يهوديًّا، فأخْبرْهم اللّه أنّ التّوْراة والْإنْجيل ما أنْزلا إلّا منْ بعْده، وبعْده كانت الْيهوديّة والنّصْرانيّة" [1]
وسواء كانت هذه هي مناسبة نزول الآية أو لم تكن، فظاهر من نصها أنها نزلت ردا على ادعاءات لأهل الكتاب، وحجاج مع النبي صلى الله عليه وسلم- أو مع بعضهم البعض في حضرة الرسول - - صلى الله عليه وسلم - والهدف من هذه الادعاءات هو احتكار عهد اللّه مع إبراهيم - عليه السلام - أن يجعل في بيته النبوة واحتكار الهداية والفضل كذلك. ثم - وهذا هو الأهم - تكذيب دعوى النبي صلى الله عليه وسلم- أنه على دين إبراهيم، وأن المسلمين هم ورثة الحنيفية الأولى وتشكيك المسلمين في هذه الحقيقة. أو بث الريبة في نفوس بعضهم على الأقل ..
ومن ثم يندد اللّه بهم هذا التنديد ويكشف مراءهم الذي لا يستند إلى دليل. فإبراهيم سابق على التوراة وسابق على الإنجيل. فكيف إذن يكون يهوديا؟ أو كيف إذن يكون
(1) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (6576) فيه جهالة