وكذلك أخذ الله تعالى الميثاق من النّصارى على الثّبات على طاعته، والقيام بما فرضه عليْهمْ، واتّباع رسله، والتّصْديق بهمْ، فسلكوا في ميثاق الله طريق اليهود، فبدّلوا دينهمْ، ونقضوا الميثاق الذي أخذه الله عليْهمْ، ونسوا حظًّا كبيرًا منْ كتابهمْ، وسبب ذلك أنّ المسيح عليه السّلام لمْ يكْتبْ ما ذكّرهمْ به من المواعظ، وتوحيد الله وتنْزيهه، ولا طرق الإرْشاد إلى عبادة الله، وكان الذين اتّبعوه من العامّة (الحواريّون كانوا من الصّيّادين) ،واشْتدّ اليهود في مطاردتهمْ فتفرّقوا، ولمْ تكنْ لهمْ جماعاتٌ ذات قوّةٍ ونفوذٍ وعلْمٍ تدوّن ما حفظوه من الإنْجيل. والإنْجيل لمْ يكْتبْ إلاّ بعْد ثلاثة قرونٍ عنْدما دخل قسْطنْطين في النّصْرانيّة، وكان ذلك سببًا في تفرّقهمْ وتعاديهمْ، واخْتلافهمْ شيعًا وطوائف، كلّ فئةٍ تكفّر الأخْرى وتعاديها. ويقول تعالى: إنّه ألْقى بيْنهم العداوة والبغْضاء بسبب ذلك، ولا يزالون مخْتلفين حتّى قيام السّاعة.
ويوْم القيامة ينْبئهم الله بما كانوا يعْملون في الدّنْيا، وبما اقْترفوه من الكذب على الله ورسوله، وبما نسبوا إليه منْ أنّ له صاحبةً وولدًا سبْحانه وتعالى.
يا أهْل الكتاب إنّا أرْسلْنا محمّدًا رسول الله، وخاتم النّبيّين ليبيّن لكمْ كثيرًا من الأحْكام التي أنْزلها الله في التّوْراة والإنْجيل، وكنْتمْ تخْفونها (كالرّجْم للزّاني المحْصن، وكصفات محمّد، والبشارة به التي حرّفْتموها وحملْتموها على معانٍ أخْرى، ومثْل الأحْكام التي أخْفيْتموها ونسيتموها كنسْيان اليهود ما جاء في التّوراة منْ أخْبار الحساب والجزاء في الآخرة، وقدْ أظْهر الرّسول لهمْ كلّ ذّلك) ومع هذا فقدْ كان الرّسول الكريم يعْفو عنْ كثيرٍ ممّا كانوا يحْفونه، ولا يظْهر الكثير ممّا كانوا يكْتمونه.
ثمّ يقول تعالى مخاطبًا أهْل الكتاب: إنّهمْ قدْ جاءهمْ نورٌ من الله وكتابٍ مبينٌ، فالنّور هو النّبيّ الذي لوْلا ما جاء به من الهدى والقرْآن، لما عرفوا الدّين الحقّ، ولا ما طرأ على التّوْراة والإنْجيل منْ تبْديلٍ وتحْريفٍ، والكتاب هو القرآن.
يهْدي الله بالقرْآن، منْ أراد اتّباع رضوان ربّه، إلى طريق الجنّة والسّلامة، ومناهج الاسْتقامة، ويخْرجهمْ منْ ظلمات الكفْر والجهْل والظّلْم إلى نور الإيمان والحقّ والعدْل، بإذْن ربّه، ويهْديهمْ إلى الطّريق القويم.