فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 3472

يقول تعالى إنّ الذين قالوا: إنّ المسيح عيسى بنْ مرْيم هو الله، قدْ كفروا بذلك القوْل، لأنّ المسْيح عبْدٌ منْ عباد الله، وخلْقٌ منْ خلْقه، فقلْ لهمْ يا محمّد: منْ ذا الذي يقْدر أنْ يمْنع المسْيح وأمّه من الله، وأنْ يحْميهما منْه إنْ أراد الله أنْ يهْلكهما؟ بلْ منْ يسْتطيع أنْ يعْترض سبيل إرادة الله إنْ أراد أنْ يهْلك جميع منْ في الأرْض من الخلائق؟ فالله هو مالك السّموات والأرْض وما بيْنهما يتصرّف فيهما كيْف يشاء، وهو القادر على كلّ شيءٍ يخْلق ما يشاء ولا معقّب على تصرّفه، فإذا كان الأمْر قد التبس على هؤلاء بسبب خلْق عيسى منْ دون أبٍ، فإنّ الله تعالى خلق آدم منْ دون أبٍ ولا أمٍّ. قال كلٌّ من اليهود والنّصارى نحْن منْتسبون إلى أنْبياء الله، وهمْ بنوه، وله بهمْ عنايةٌ، وهو يحبّنا. وأوْردوا في كتابهمْ أنّ الله قال لعبْده إسْرائيل (يعْقوب) أنْت ابْني البكْر. فحملوا هذا القوْل على غيْر تأويله وحرّفوه. وقدْ ردّ عليْهمْ غيْر واحدٍ منْ عقلائهمْ: إنّ هذا القوْل يطْلق عنْدهمْ على سبيل التّكْريم والتّشْريف. وورد في الإنجيل: إنّ المسيح قال لهمْ: إنّي ذاهبٌ إلى أبي وأبيكمْ، يعْني ربّي وربّكمْ.

ويقول الله تعالى لمحمّدٍ ردًّا على أقْوال هؤلاء وهؤلاء أنْ يقول لهمْ: لوْ كنْتمْ كما تدّعون أبْناء الله وأحبّاءه فلم أعدّ الله لكمْ جهنّم جزاءً لكمْ على كفْركمْ وكذبكمْ وافترائكمْ؟ بلْ أنْتمْ بشرٌ منّنْ خلق الله، ولكمْ أسْوةٌ بأمْثالكمْ، وهو سبْحانه خالق السّماوات والأرْض، والحاكم المتصرّف في جميع عباده، فيغْفر لمنْ يشاء، ويعذب منْ يشاء، ولا معقّب على حكْمه، وهو سريع الحساب.

يقول تعالى لأهْل الكتاب إنّه أرْسل إليْهمْ محمّدًا رسولًا بعْد مدّةٍ متطاولةٍ ما بيْن إرْسال عيسى وإرْساله، لمْ يكنْ فيها رسولٌ (على فتْرةٍ من الرّسل) ،فانْطمستْ سبل الهدى، وتغيّرت الأدْيان، وكثر عبّاد الأوْصان والنّيران، وقدْ بعثه الله إلى أهل الكتاب، بعْد أنْ بشّرهمْ به في الكتب التي أنْزلها على أنْبيائهمْ، وأخْبرهمْ به أنْبياؤهمْ، وذلك لكيْلا يحْتجّوا ويقولوا: ما جاءنا رسولٌ يبشّر بالخيْر وينْذر بالشّرّ. فها قدْ جاءكمْ محمّدٌ بشيرًا ونذيرًا، والله قديرٌ على عقاب منْ عصاه، وعلى إثابة منْ أطاعه. [1]

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:684، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت