وفي الظلال:
ونجد هنا تعبيرا خاصا ذا دلالة خاصة: «ومن الّذين قالوا: إنّا نصارى» .. ودلالة هذا التعبير: أنهم قالوها دعوى، ولم يحققوها في حياتهم واقعا .. ولقد كان أساس هذا الميثاق هو توحيد اللّه. وهنا كانت نقطة الانحراف الأصلية في خط النصرانية التاريخي. وهذا هو الحظ الذي نسوه مما ذكروا به ونسيانه هو الذي قاد بعد ذلك إلى كل انحراف. كما أن نسيانه هو الذي نشأ من عنده الخلاف بين الطوائف والمذاهب والفرق، التي لا تكاد تعد. في القديم وفي الحديث (كما سنبين إجمالا بعد قليل) .
وبينها ما بينها من العداوة والبغضاء ما يخبرنا اللّه سبحانه أنه باق فيهم إلى يوم القيامة .. جزاء وفاقا على نقض ميثاقهم معه، ونسيانهم حظا مما ذكروا به .. ويبقى جزاء الآخرة عندما ينبئهم اللّه بما كانوا يصنعون وعندما يجزيهم وفق ما ينبئهم به مما كانوا يصنعون! ولقد وقع بين الذين قالوا: إنا نصارى من الخلاف والشقاق والعداوة والبغضاء في التاريخ القديم والحديث مصداق ما قصه اللّه - سبحانه - في كتابه الصادق الكريم وسال من دمائهم على أيدي بعضهم البعض ما لم يسل من حروبهم مع غيرهم في التاريخ كله. سواء كان ذلك بسبب الخلافات الدينية حول العقيدة أو بسبب الخلافات على الرياسة الدينية أو بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعي ة. وفي خلال القرون الطويلة لم تسكن هذه العداوات والخلافات ولم تخمد هذه الحروب والجراحات .. وهي ماضية إلى يوم القيامة كما قال أصدق القائلين، جزاء على نقضهم ميثاقهم، ونسيانهم حظا مما ذكروا به من عهد اللّه، وأول بند فيه هو بند التوحيد، الذي انحرفوا عنه بعد فترة من وفاة المسيح عليه السلام. لأسباب لا مجال هنا لعرضها بالتفصيل [1] .
وحين يبلغ السياق هذا الموضع من استعراض موقف اليهود والنصارى من ميثاقهم مع اللّه .. وجهوا الخطاب لأهل الكتاب جميعا .. هؤلاء وهؤلاء .. لإعلانهم برسالة خاتم النبيين
(1) - يراجع كتاب: «محاضرات في النصرانية» للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. كما يراجع الجزء الثالث من الظلال ص 365 - ص 366 (السيد رحمه الله)