فهرس الكتاب
مَا إِذَا أَيْقَنَ الْفَتْحَ وَصَيْرُورَةَ الْبِلَادِ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمُسْتَمِرَّ فِي بُعُوثِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَاعْتِبَارُهُ كَانَ ذَلِكَ، وَقَدْ قُلْنَا بِذَلِكَ وَذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُحَرِّقْ وَلَا يُخَرِّبْ ; لِأَنَّهُ إِتْلَافُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَلَا تُحَرِّقْ وَهُوَ قَدْ قَدْ عَلِمَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا، ثُمَّ حَرِّقْ بَقِيَ مُجَرَّدُ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّهُ لِغَرَضِ الْأَكْلِ ; لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَلَا غَرَضَ أَصَحُّ مِنْ كَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَتَعْرِيضِهِمْ عَلَى الْمَهْلَكَةِ وَالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا يُحَرِّقُ لِقَطْعِ مَنْفَعَةٍ عَنِ الْكُفَّارِ وَصَارَ كَتَخْرِيبِ الْبُنْيَانِ، وَالتَّحْرِيقُ لِهَذَا الْغَرَضِ الْكَرِيمِ بِخِلَافِ التَّحْرِيقِ قَبْلَ الذَّبْحِ ; لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْثٍ فَقَالَ لَنَا:"إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَاحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ"فَلَمَّا خَرَجْنَا دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ:"إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَاقْتُلُوهُمَا وَلَا تَحْرِقُوهُمَا فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ» .وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَسَمَّاهُمَا هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ، وَنَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَطَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّ السَّبَبَ أَنَّهُمَا كَانَا رَوَّعَا زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ خَرَجَتْ لَاحِقَةً بِهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَالْقِصَّةُ مُفَصَّلَةٌ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ مَعْرُوفَةٌ لِأَهْلِ السِّيَرِ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ ; أَيْضًا تَحْرِيقَ عَلِيٍّ الزَّنَادِقَةَ الَّذِينَ أَتَى بِهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَحْرِقْهُمْ لِنُهَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلِقَتَلَتِهِمْ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ «عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حِبَّانَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، فَأَخَذْتُ بُرْغُوثًا فَرَمَيْتُهُ فِي النَّارِ فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» ".وَأَمَّا مَا فِي فَتَاوَى الْوَالِجِيِّ بِتَرْكِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي أَرْضٍ غَامِرَةٍ ; أَيْ خَرِبَةٍ حَتَّى يَمُوتُوا جُوعًا كَيْلَا يَعُودُوا حَرْبًا عَلَيْنَا ; لِأَنَّ النِّسَاءَ بِهِنَّ النَّسْلُ وَالصِّبْيَانُ يَبْلُغُونَ فَيَصِيرُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْذِيبِ، ثُمَّ هُمْ قَدْ صَارُوا أُسَارَى بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ، وَقَدْ أَوْصَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْأَسْرَى خَيْرًا حَدَّثَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَبِيهِ بْنِ