فهرس الكتاب

الصفحة 1421 من 3472

مِنْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى غَطَفَانَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ، إنَّكُمْ أَصْلِي وَعَشِيرَتِي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، وَلَا أَرَاكُمْ تَتَّهِمُونِي، قَالُوا: صَدَقْتُ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، قَالَ: فَاكْتُمُوا عَنِّي، قَالُوا: نَفْعَلُ، فَمَا أَمْرُكَ؟،ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ لِقُرَيْشِ وَحَذَّرَهُمْ مَا حَذَّرَهُمْ. [1]

وفي شرح السير:"بَابٌ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ذَكَرَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ ذِي حَدَّانِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:الْحَرْبُ خُدْعَةٌ أَوْ خَدْعَةٌ» بِالنَّصْبِ. وَكِلَاهُمَا لُغَةٌ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يُخَادِعَ قِرْنَهُ فِي حَالَةِ الْقِتَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ غَدْرًا مِنْهُ."

وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالظَّاهِرِ فَقَالُوا: يُرَخَّصُ فِي الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: فِي الصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَفِي الْقِتَالِ، وَفِي إرْضَاءِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ» .وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْكَذِبَ الْمَحْضَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ اسْتِعْمَالُ الْمَعَارِيضِ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ - صلى الله عليه وسلم - كَذَبَ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْمَعَارِيضِ، إذْ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَذِبِ الْمَحْضِ.

وَقَالَ عُمَرُ: إنَّ فِي مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ. وَتَفْسِيرُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي"الْكِتَابِ":وَهُوَ أَنْ يُكَلِّمَ مَنْ يُبَارِزُهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ. وَلَكِنَّهُ يُضْمِرُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُهُ لَهُ. كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ حِينَ بَارَزَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ ضَمِنْت لِي أَنْ لَا تَسْتَعِينَ عَلَيَّ بِغَيْرِك؟ فَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَعَوْتهمْ؟.فَالْتَفَتَ كَالْمُسْتَبْعِدِ لِذَلِكَ، فَضَرَبَ عَلَى سَاقَيْهِ ضَرْبَةً قَطَعَ رِجْلَيْهِ.

وَكَانَ مِنْ الْخُدْعَةِ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ قَوْلًا لِيَرَى مَنْ سَمِعَهُ أَنَّ فِيهِ ظَفَرًا أَوْ أَنَّ فِيهِ أَمْرًا يُقَوِّي أَصْحَابَهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ كَاذِبًا فِيهِ ظَاهِرًا. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حُرُوبِهِ كَانَ يَنْظُرُ إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ يَقُولُ: مَا كَذَبْت وَلَا كَذَبْت. يُرِي مَنْ حَضَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -

(1) - سيرة ابن هشام ت السقا (2/ 229)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت