سَبْعِينَ مِنْ أَبْنَاءِ كُبَرَائِهِمْ إلَيْكُمْ لِيَكُونُوا رَهْنًا فِي حِصْنِكُمْ. وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَهُمْ حِينَ جَرَتْ هَذِهِ الْمُحَاوَرَةُ، فَحَثَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالُوا: هُوَ الرَّأْيُ. ثُمَّ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى. فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -:فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ. فَجَاءَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَسُولَ بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْأَلُهُ الرَّهْنَ. فَقَالَ لَهُ: هَلْ عَلِمْت أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: إنِّي سَمِعْته الْآنَ يَقُولُ كَذَا. وَهَذَا مُوَاطَأَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، لِيَأْخُذُوا سَبْعِينَ مِنْكُمْ فَيَدْفَعُوهُمْ إلَيْهِ لِيَقْتُلَهُمْ. وَقَدْ ضَمِنَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إصْلَاحَ جَنَاحِهِمْ، يَعْنِي رَدَّ بَنِي النَّضِيرِ إلَى دَارِهِمْ. فَقَالُوا: هُوَ كَمَا قُلْت وَاَلْلَاتِ وَالْعُزَّى. وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَبَعَثَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ اُخْرُجُوا عَلَى تِلْكَ الْمُبَايَعَةِ الَّتِي بَيْنَنَا فَقَدْ طَالَ الْأَمْرُ. فَقَالُوا: غَدًا يَوْمُ السَّبْتِ، وَنَحْنُ لَا نَكْسِرُ السَّبْتَ. وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَخْرُجُ حَتَّى تُعْطُونَا الرَّهْنَ (39 ب) .فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ كَمَا أَخْبَرَنَا بِهِ نُعَيْمٌ. وَقَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَانْهَزَمُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ».قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ:فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ." [1] "
ـــــــــــ
المبحث الثالث
جواز الاحتيال للوصول لمباح
يجوز الاحتيال في التوصل إلى المباح:
وقال الجصاص:
وَفِيمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ وَمَا عَامَلَ بِهِ إخْوَتَهُ فِي قَوْلِهِ: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} إلى قوله: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} دَلَالَةٌ عَلَى إجَازَةِ الْحِيلَةِ فِي التَّوَصُّلِ إلَى الْمُبَاحِ وَاسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَقَالَ في آخر القصة: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} وَمِنْ نَحْوِ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} [ص:44] وَكَانَ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهَا عَدَدًا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَخْذِ الضِّغْثِ وَضَرْبِهَا بِهِ لِيَبَرَّ فِي يَمِينِهِ مِنْ غَيْرِ إيصَالِ أَلَمٍ كَبِيرٍ إلَيْهَا. وَمِنْ نَحْوِهِ النَّهْيُ عَنْ
(1) - شرح السير الكبير (ص:119)