عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي دَارِبٌ بِالْغَدَاةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، دَرْبَ كَذَا وَكَذَا. فَتَفَرَّقُ عَنْهُ الْجَوَاسِيسُ بِذَلِكَ، فَإِذَا أَصْبَحَ تَوَجَّهَ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ: وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَسَمِّتْهُ الرُّومُ: الثَّعْلَبَ""
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، قَالَ: قِيلَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ: إِنَّهُ يَصْلُحُ الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا أَعْلَمُ الْكَذِبَ إِلَّا حَرَامًا. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَغَزَوْتُ، فَخَطَبَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى عَمُّورِيَّةَ وَهُوَ يُرِيدُ غَيْرَهَا، فَلَمَّا قَدِمْتُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَلَا بَأْسَ وَقَالَ:"لَيْسَ كُلُّ الْعِلْمِ أُوتِيَ مُحَمَّدٌ قَالُوا: وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ جَائِزٌ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا." [1]
وقَالَ الْخطّابِيُّ: معنى الخدعة: أنّها مرّة وَاحِدَة، أَي: إِذا خُدع الْمقَاتل مرّة، لمْ يكن لَهَا إِقَالَة، وَيُقَال: أَي: يَنْقَضِي أمرهَا بخدعة وَاحِدَة، ويُرْوى «خُدْعةٌ» بِضَم الْخَاء، وَسُكُون الدَّال، وهِي الِاسْم من الخداع، كَمَا يُقَال: هَذِه لعبة، وَيُقَال: خُدعةٌ، بِضَم الْخَاء، وَفتح الدَّال، مَعْنَاهَا، أنّها تخدع الرِّجَال، وتُمنِّيهِم، ثُمّ لَا تفي لهُمْ، كَمَا يُقَال: لعبةٌ: إِذا كَانَ كثير التلعبِ بالأشياء.
وفِي الْحدِيث: إباحةُ الخِداع فِي الْحَرْب، وَإِن كَانَ مَحْظُورًا فِي غَيرهَا من الْأُمُور، ورُوِي عنْ عبْد الرّحْمنِ بْن كَعْب بْن مالِك، عنْ أبِيهِ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، «كَانَ إِذا أَرَادَ غزْوةً ورّى بِغيْرِها» ،وَكَانَ يقُول: «الحرْبُ خُدْعةٌ» ." [2] "
ـــــــــــــــ
المبحث السادس
الْإحْراق في الْحرْب
إحراق ما يجوز فِي الْحَرْبِ:
إِذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ بِالتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ يُعْلَمُ، لِمَا روي عَنْ حَمْزَةِ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ فِي سَرِيَّةٍ، وَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا
(1) - تهذيب الآثار مسند علي (3/ 136)
(2) - شرح السنة للبغوي (11/ 41)