ولكن موقف هؤلاء الأفراد لم يكن يمثل موقف الغالبية من أهل الكتاب في الجزيرة - ومن اليهود منهم بصفة خاصة - فقد جعل هؤلاء يشنون على الإسلام، منذ أن أحسوا خطره عليهم في المدينة، حربا خبيثة، يستخدمون فيها كل الوسائل التي حكاها القرآن عنهم في نصوص كثيرة كما أنهم في الوقت ذاته رفضوا الدخول في الإسلام طبعا وأنكروا وجحدوا ما في كتبهم من البشارة بالرسول صلى الله عليه وسلم ومن تصديق القرآن لما بين أيديهم من بقايا كتبهم الحقة، مما كان أولئك الأفراد الطيبون يعترفون به ويقرونه ويجاهرون به في وجه المنكرين الجاحدين! .. كذلك أخذ القرآن يتنزل بوصف هذا الجحود وتسجيله وبتقرير ما عليه أهل الكتاب هؤلاء من الانحراف والفساد والبطلان في شتى السور المدنية .. على أن القرآن المكي لم يخل من تقريرات عن حقيقة ما عليه أهل الكتاب. نذكر من ذلك:
«ولمّا جاء عيسى بالْبيّنات قال: قدْ جئْتكمْ بالْحكْمة، ولأبيّن لكمْ بعْض الّذي تخْتلفون فيه، فاتّقوا اللّه وأطيعون. إنّ اللّه هو ربّي وربّكمْ فاعْبدوه، هذا صراطٌ مسْتقيمٌ. فاخْتلف الْأحْزاب منْ بيْنهمْ، فويْلٌ للّذين ظلموا منْ عذاب يوْمٍ أليمٍ» .. (الزخرف:63 - 65) «وما تفرّقوا إلّا منْ بعْد ما جاءهم الْعلْم - بغْيًا بيْنهمْ» ... «ولوْلا كلمةٌ سبقتْ منْ ربّك إلى أجلٍ مسمًّى لقضي بيْنهمْ، وإنّ الّذين أورثوا الْكتاب منْ بعْدهمْ لفي شكٍّ منْه مريبٍ» ... (الشورى:14) .
«وإذْ قيل لهم: اسْكنوا هذه الْقرْية وكلوا منْها حيْث شئْتمْ، وقولوا: حطّةٌ وادْخلوا الْباب سجّدًا نغْفرْ لكمْ خطيئاتكمْ سنزيد الْمحْسنين. فبدّل الّذين ظلموا منْهمْ قوْلًا غيْر الّذي قيل لهمْ، فأرْسلْنا عليْهمْ رجْزًا من السّماء بما كانوا يظْلمون. وسْئلْهمْ عن الْقرْية الّتي كانتْ حاضرة الْبحْر إذْ يعْدون في السّبْت، إذْ تأْتيهمْ حيتانهمْ يوْم سبْتهمْ شرّعًا ويوْم لا يسْبتون لا تأْتيهمْ، كذلك نبْلوهمْ بما كانوا يفْسقون» ... (الأعراف:161 - 163) .
«وإذْ تأذّن ربّك ليبْعثنّ عليْهمْ إلى يوْم الْقيامة منْ يسومهمْ سوء الْعذاب، إنّ ربّك لسريع الْعقاب وإنّه لغفورٌ رحيمٌ» ... (الأعراف:167) .