فهرس الكتاب
تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) [التوبة] .
وعنِ ابْنِ عبّاسٍ رضِي اللّهُ عنْهُما، قال: قال رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا هِجْرة بعْد الفتْحِ، ولكِنْ جِهادٌ ونِيّةٌ، وإِذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» .مُتّفقٌ عليْهِ [1] .
وَذَلِكَ لأَِنَّ أَمْرَ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إِلَى الإِْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ [2] .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ بِتَعْيِينِ الإِمَامِ وَلَوْ لِصَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَال أَوِ امْرَأَةٍ، وَتَعْيِينُ الإِمَامِ إِلْجَاؤُهُ إِلَيْهِ وَجَبْرُهُ عَلَيْهِ، كَمَا يَلْزَمُ بِمَا فِيهِ صَلاَحُ حَالِهِ، لاَ بِمَعْنَى عِقَابِهِ عَلَى تَرْكِهِ، فَلاَ يُقَال: إِنَّ تَوَجُّهَ الْوُجُوبِ لِلصَّبِيِّ خَرْقٌ لِلإِجْمَاعِ" [3] "
إِذْنُ الدَّائِنِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ لِلْجِهَادِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ بِغَيْرِ إِذْنِ غَرِيمِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَرِيمِ وَهُوَ الْمُلاَزَمَةُ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ الدَّائِنُ، وَلَمْ يُبْرِئْهُ، فَالْمُسْتَحَبُّ الإِقَامَةُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَدْءَ بِالأَوْجَبِ أَوْلَى، فَإِنْ خَرَجَ فَلاَ بَأْسَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْكَفِيل إِذَا كَانَ بِأَمْرِ الدَّائِنِ، وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الاِسْتِئْذَانِ، الْكَفِيل بِالْمَال وَالْكَفِيل بِالنَّفْسِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَلَهُ الْخُرُوجُ بِلاَ إِذْنٍ إِنْ عَلِمَ بِرُجُوعِهِ قَبْل حُلُولِهِ؛ لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، لَكِنَّ الأَفْضَل الإِقَامَةُ لِقَضَائِهِ [4] .
(1) - صحيح البخاري (4/ 15) (2783) وصحيح مسلم (3/ 1487) 85 - (1353)
[ش (لا هجرة) من مكة أو غيرها من البلدان التي يستطيع فيها إقامة شعائر الدين. (الفتح) فتح مكة (وإذا استنفرتم فانفروا) معناه إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخروا وهذا دليل على أن الجهاد ليس فرض عين بل فرض كفاية إذا فعله من تحصل بهم الكفاية سقط الحرض عن الباقين وإن تركوه كلهم أثموا كلهم]
(2) - حاشية الدسوقي 2/ 175، وجواهر الإكليل 1/ 252، والمغني 8/ 352، والمحلى 7/ 291.
(3) - انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 16 / ص 130) فما بعد والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 8 / ص 6) وحاشية الدسوقي 2/ 175،وجواهر الإكليل 1/ 252.
(4) - ابن عابدين 3/ 221.