فهرس الكتاب

الصفحة 1584 من 3472

وهو جهاد النفس على تعلم الدين، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه. قال الله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } ... [العصر:1 - 3] .

يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِالدَّهْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَحْدَاثٍ وَعِبَرٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى قَدْرَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ. إِنَّ الإِنْسَانَ لَخَاسِرٌ فِي أَعْمَالِهِ. وَأَعْمَالُهُ مَصْدَرُ شَقَائِهِ، وَهِيَ التِي تُوقِعُهُ فِي الهَلاَكِ (وَهَذَا هُوَ جَوَابُ القَسَمِ) .

قَالَ تَعَالَى: إِنَّ بَنِي الإِنْسَانِ خَاسِرُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ إِلاَّ الذِينَ اعْتَقَدُوا اعْتِقَادًا صَحِيحًا بِوُجُودِ اللهِ وَوحْدَانِيتِهِ، وَبِمَا أَنْزِلَ مِنَ الكُتُبِ عَلَى رُسُلِهِ الكِرَامِ ثُمَّ عَمِلُوا صَالِحَةً تُرْضِي اللهَ، وَاجْتَنَبُوا مَا حَرَّمَ اللهُ وَأَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالصَّبْرِ عَنِ المَعَاصِي التِي تَشْتَاقُ إِلَيهَا النُّفُوسُ الضَّعِيفَةُ، وَبِالصَّبْرِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ التِي يَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ القِيَامُ بِهَا .. فَهؤُلاَءِ المُسْتَثْنَوْنَ هُمُ الرَّابِحُونَ الفَائِزُونَ. [1]

مَرَاتِبُ جِهَادِ النَّفْسِ:

إِذَا عُرِفَ هَذَا فَالْجِهَادُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النَّفْسِ، وَجِهَادُ الشَّيْطَانِ، وَجِهَادُ الْكُفَّارِ، وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ.

فَجِهَادُ النَّفْسِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ أَيْضًا:

إِحْدَاهَا: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى تَعَلُّمِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ الَّذِي لَا فَلَاحَ لَهَا وَلَا سَعَادَةَ فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا إِلَّا بِهِ، وَمَتَى فَاتَهَا عِلْمُهُ شَقِيَتْ فِي الدَّارَيْنِ.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْعِلْمِ بِلَا عَمَلٍ إِنْ لَمْ يَضُرَّهَا لَمْ يَنْفَعْهَا.

الثَّالِثَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَتَعْلِيمِهِ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وَإِلَّا كَانَ مِنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَلَا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.

الرَّابِعَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَأَذَى الْخَلْقِ، وَيَتَحَمَّلُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ. فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ صَارَ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ، فَإِنَّ السَّلَفَ مُجْمِعُونَ عَلَى

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:6054،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت