فهرس الكتاب

الصفحة 1735 من 3472

الثَّانِي: أَنْ يُسْبَى مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - يُعْتَبَرُ كَافِرًا تَبَعًا لِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ فِي الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ عَنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَلَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلاَمِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ» [1]

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» أَرَادَ بِهِ: عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا جَلَّ وَعَلَا يَوْمَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30] ،يَقُولُ: لَا تَبْدِيلَ لِتِلْكَ الْخِلْقَةِ الَّتِي خَلَقَهُمْ لَهَا، إِمَّا لِجَنَّةٍ، وَإِمَّا لِنَارٍ، حَيْثُ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ.

أَلَا تَرَى أَنَّ غُلَامَ الْخَضِرِ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «طَبَعَهُ اللَّهُ يَوْمَ طَبَعَهُ كَافِرًا» وَهُوَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَبْدَهُ الْخَضِرَ وَلَمْ يُعْلِمْ ذَلِكَ كَلِيمَهُ مُوسَى عليه السلام، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِنَا. [2]

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ، وَبِهَذَا قَال الأَوْزَاعِيُّ لِقَوْل النبي صلى الله عليه وسلم: كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، الْحَدِيثُ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لاَ يَتْبَعُ أَحَدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَتَى عُلِّقَ بِشَيْئَيْنِ لاَ يَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا؛ وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ سَابِيهِ مُنْفَرِدًا فَيَتْبَعُهُ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الأَبَوَيْنِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يُسْبَى مَعَ أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى دِينِهِمَا لِقَوْل النبي صلى الله عليه وسلم: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، وَهُمَا مَعَهُ وَمِلْكُ السَّابِي لَهُ لاَ يَمْنَعُ اتِّبَاعَهُ لِأَبَوَيْهِ بِدَلِيل مَا لَوْ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ مِنْ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ الْكَافِرَيْنِ.

(1) - صحيح البخاري (2/ 100) (1385)

ومعنى هذا الحديث: أن المولود يولد على نوع من الجبلة، وهي فطرة الله تعالى، وكونه متهيئًا لقبول الحقيقة طبعًا وطوعًا، ولو خلَّته شياطين الإنس والجن وما يختار، لم يَخْتَر إلا إياها، وضرب لذلك - الجمعاء والجدعاء- مثلًا، يعني: أن البهيمة تُولد سوية الأطراف، سليمة من الجدع ونحوه، لولا الناس وتعرضهم إليها، لبقيت كما وُلدت سليمة. جامع الأصول (1/ 271)

(2) - صحيح ابن حبان - مخرجا (1/ 337)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت