رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"يَدْخُلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةٌ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعُهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنَعْتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِي بِهِ، وَمُنْبِلُهُ، وَارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَلَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ امْرَأَتَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ كَفَرَهَا" [1]
قَال الْخَطَّابِيُّ: أَيْ: لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الْمُبَاحِ إِلاَّ ثَلاَثٌ. وَقِيل فِي مَعْنَاهُ أَيْضًا: لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الْمُسْتَحَبِّ إِلاَّ هَذِهِ الثَّلاَثُ.
يُبَيِّنُ الْحَدِيثُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِل الْجَنَّةَ صَانِعَ النَّبْل وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنَاوِل النَّبْل، إِذَا كَانُوا يَقْصِدُونَ فِي عَمَلِهِمْ إِعْلاَءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجِهَادَ الْكُفَّارِ، وَلَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ الْمُسْتَحَبِّ إِلاَّ تَدْرِيبُ الرَّجُل فَرَسَهُ بِالرَّكْضِ وَالْجَوَلاَنِ عَلَى نِيَّةِ الْغَزْوِ، وَكَذَلِكَ الرَّمْيُ. [2]
(وَارْمُوا وَارْكَبُوا) ; أَيْ: لَا تَقْتَصِرُوا عَلَى الرَّمْيِ مَاشِيًا، وَاجْمَعُوا بَيْنَ الرَّمْيِ وَالرُّكُوبِ، أَوِ الْمَعْنَى: اعْلَمُوا هَذِهِ الْفَضِيلَةَ وَتَعَلَّمُوا الرَّمْيَ وَالرُّكُوبَ بِتَأْدِيبِ الْفَرَسِ وَالتَّمْرِينِ عَلَيْهِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ آخِرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفُ"وَارْكَبُوا"يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ، وَأَنَّ الرَّامِيَ يَكُونُ رَاجِلًا، وَالرَّاكِبُ رَامِحًا، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ( «وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا» ) :أَنَّ الرَّمْيَ بِالسَّهْمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الطَّعْنِ بِالرُّمْحِ اه.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ مُعَالَجَةَ الرَّمْيِ وَتَعَلُّمَهُ أَفْضَلُ مِنْ تَأْدِيبِ الْفَرَسِ وَتَمْرِينِ رُكُوبِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَلِمَا فِي الرَّمْيِ مِنَ النَّفْعِ الْأَعَمِّ، وَلِذَا قَدَّمَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال:60] مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الرُّمْحِ أَصْلًا، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ تَأْكِيدُهُ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ: (كُلُّ
(1) - مستخرج أبي عوانة (4/ 504) (7495) صحيح
(المُمِدّ به) :أمددت فلانًا بكذا: إذا أعطيته إياه، ويقال مددت القوم: إذا صرت لهم مددًا، وأمددتهم بغيري.= (مُنْبِلَه) :المُنْبِل: هو الذي يناول الرامي النبل: إما أنه يقف إلى جانبه أو خلفه ومعه عدد من النبل، فيناوله واحدة بعد واحدة، أو أنه يرده عليه من الهدف أو من غيره، وكذلك هو المُمِدُّ به على كلا الوجهين، والنَّبل: السهام الصغار، معروفة، يقال: أنبلت الرجل فأنا مُنْبِلَه، واستنبل فلان فأنبلته، وقيل: نبَّلته - بالتشديد - فيكون حينئذ مُنَبِّلَه بالتشديد أيضًا. والمعنى سواء.= (كفرها) :كفران النعمة: جحدها.
(2) - عون المعبود شرح سنن أبي داود 7/ 189 - 191 ط دار الفكر، وسنن الترمذي 1637، وسنن ابن ماجه:2811، وسنن النسائي 6/ 223، ومسند أحمد بن حنبل 4/ 46، 148، والفروسية لابن القيم ص9