فهرس الكتاب

الصفحة 1826 من 3472

مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَاطْمِئْنَانِ الْقُلُوبِ بِالْجَزْمِ بِمَوْتِهِ وَإِلَّا جَازَ فَقَدْ «حُمِلَ لِلنَّبِيِّ رَأْسُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ مِنْ خَيْبَرَ لِلْمَدِينَةِ» ." [1] "

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ بَأْسَ بِحَمْل رَأْسِ الْمُشْرِكِ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ غَيْظُهُمْ: بِأَنْ كَانَ الْمُشْرِكُ مِنْ عُظَمَائِهِمْ [2] .

وقال السرخسي في شرح السير:"وَذَكَرَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِرَأْسِ يَنَاقَ الْبِطْرِيقِ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا. قَالَ فَاسْتِنَانٌ بِفَارِسٍ وَالرُّومِ؟ لَا يُحْمَلُ إلَيَّ رَأْسٌ، إنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَهُمْ: لَقَدْ بَغَيْتُمْ. أَيْ تَجَاوَزْتُمْ الْحَدَّ. وَفِي رِوَايَةٍ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ بِالشَّامِ: لَا تَبْعَثُوا إلَيَّ بِرَأْسٍ، وَلَكِنْ يَكْفِينِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ."

فَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ: لَا يَحِلُّ حَمْلُ الرُّءُوسِ إلَى الْوُلَاةِ لِأَنَّهَا جِيفَةٌ. فَالسَّبِيلُ دَفْنُهَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلِأَنَّ إبَانَةَ الرَّأْسِ مُثْلَةٌ، «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ» .

وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ.

وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَوْ فَرَاغُ قَلْبٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ قُوَّادِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ عُظَمَاءِ الْمُبَارِزِينَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. أَلَا تَرَى «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَمَلَ رَأْسَ أَبِي جَهْلٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا رَأْسُ عَدُوِّك أَبِي جَهْلٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:اللَّهُ أَكْبَرُ هَذَا فِرْعَوْنِي وَفِرْعَوْنُ أُمَّتِي. وَكَانَ شَرُّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي أَعْظَمَ مِنْ شَرِّ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى وَأُمَّتِهِ» .وَمَا مَنَعَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

وَهُوَ مَعْنَى مَا رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: «لَمْ يُحْمَلْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأْسٌ إلَّا يَوْمَ بَدْرٍ» .وَحُمِلَ إلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَنْكَرَهُ. وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ

(1) - الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (2/ 179)

(2) - الدر المختار 3/ 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت