وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ حَمْل رَأْسِ كَافِرٍ عَدُوٍّ مِنْ بَلَدِ قَتْلِهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، أَوْ لأَِمِيرِ جَيْشٍ فِي بَلَدِ الْقِتَال. وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ مُثْلَةً [1] .
وقال ابن قدامة:"يُكْرَهُ نَقْل رُءُوسِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، وَالْمُثْلَةُ بِقَتْلَاهُمْ وَتَعْذِيبُهُمْ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ» وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أَعَفَّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الْإِيمَانِ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد"
وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -.قَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، بِرَأْسِ الْبِطْرِيقِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا. قَالَ: فَاسْتِنَانٌ بِفَارِسَ وَالرُّومِ، لَا يُحْمَلُ إلَيَّ رَأْسٌ، فَإِنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يُحْمَلْ إلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - رَأْسٌ قَطُّ، وَحُمِلَ إلَى أَبِي بَكْرٍ رَأْسٌ فَأَنْكَرَ، وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ إلَيْهِ الرُّءُوسُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَيُكْرَهُ رَمْيُهَا فِي الْمَنْجَنِيقِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ جَازَ، لِمَا رَوَيْنَا، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ حَاصَرَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة، ظُفِرَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوا رَأْسَهُ، فَجَاءَ قَوْمُهُ عَمْرًا مُغْضَبِينَ، فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو خُذُوا رَجُلًا مِنْهُمْ فَاقْطَعُوا رَأْسَهُ، فَارْمُوا بِهِ إلَيْهِمْ فِي الْمَنْجَنِيقِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَرَمَى أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة رَأْسَ الْمُسْلِمِ إلَى قَوْمِهِ." [2] "
وفي الفروع:"وَيُكْرَهُ نَقْلُ رَأْسٍ، وَرَمْيُهُ بِمَنْجَنِيقٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ" [3]
وفي الشرح الكبير:" (قَوْلُهُ: وَحَمْلُ رَأْسِ كَافِرٍ) أَيْ عَلَى رُمْحٍ، وَقَوْلُهُ: لِبَلَدٍ أَيْ ثَانٍ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ مَاكِثًا فِيهَا أَمْ لَا، وَقَوْلُهُ: أَوْ إلَى وَالٍ أَيْ، وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدِ الْقِتَالِ نَفْسِهَا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الْبَلَدِ) أَيْ، وَأَمَّا حَمْلُهَا فِي بَلَدِ الْقِتَالِ لَا لِلْوَالِي فَهُوَ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْبُغَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ حَمْلِ رَأْسِ الْحَرْبِيِّ لِبَلَدٍ ثَانٍ مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ"
(1) - جواهر الإكليل 1/ 254، والمغني 8/ 494.
(2) - المغني لابن قدامة (9/ 326)
(3) - الفروع وتصحيح الفروع (10/ 265)