قَالَ فَهَذَا: أَبُو بَكْرٍ قَدْ أَنْكَرَ حَمْلَ الرُّءُوسِ إِلَيْهِ، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ حَامِلُوهُ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ بِحَضْرَةِ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أُمَرَائِهِ عَلَى الْأَجْنَادِ مِنْهُمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ كَانَ خَرَجَ لِغَزْوِ الشَّامِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخَالِفُوهُمْ عَلَيْهِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانُوا مَأْمُونِينَ عَلَى مَا فَعَلُوا فُقَهَاءَ فِي دِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ مُبَاحًا لِمَا رَأَوْا فِيهِ مِنْ إِعْزَازِ دِينِ اللهِ وَغَلَبَةِ أَهْلِهِ الْكُفَّارَ بِهِ، وَكَانَ مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ مِنْ كَرَاهَتِهِ إِيَّاهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى قَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ يَعْنِي عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَقَدْ كَانَ رَأْيُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَعَهُ التَّوْفِيقَ، وَكَانَ مِثْلُ هَذَا مِنْ بَعْدُ يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى رَأْيِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَحْدُثُ مِثْلُ هَذَا فِي إِبَّانِهِمْ، فَيَفْعَلُونَ فِي ذَلِكَ مَا يَرَوْنَهُ صَوَابًا، وَمَا يَرَوْنَهُ مِنْ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ، وَمِنَ اسْتِغْنَائِهِمْ عَنْهُ وَقَدْ كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي رَأْسِ الْمُخْتَارِ لَمَّا حُمِلَ إِلَيْهِ تَرَكَ النَّكِيرَ فِي ذَلِكَ وَمَعَهُ بَقَايَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرِيدُ الَّذِي قَدِمَ بِرَأْسِ الْمُخْتَارِ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: فَلَمَّا وَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: مَا حَدَّثَنِي كَعْبٌ بِحَدِيثٍ إِلَّا وَجَدْتُهُ كَمَا حَدَّثَنِي إِلَّا هَذَا، فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَنَّهُ يَقْتُلُنِي رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ، وَهَا هُوَ هَذَا قَدْ قَتَلْتُهُ قَالَ: الْأَعْمَشُ، وَمَا يَعْلَمُ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ يَعْنِي الْحَجَّاجَ مُرْصَدٌ لَهُ بِالطَّرِيقِ، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ" [1] "
وقال أبو المحاسن الملطي:"وفيه إجازة نقل الرؤوس نكالا من بلد إلى بلد ليقف الناس على النكال الذي نزل بهم ومن هذا الجنس قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} وقوله في آية المحاربين: {يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} ليشتهر في الناس أمرهم وإنكار أبي بكر على عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حين بعثا رأسا إليه اجتهاد منه لما ظهر إليه من الاستغناء عنه ألا ترى أن أمراء الأجناد منهم يزيد بن أبي سفيان وعقبة بن عامر بحضرة من كان معهم لم ينكروا ذلك لما رأوا فيه من إعزاز دين الله وغلبة هله الكفار"
(1) - شرح مشكل الآثار (7/ 403) (2960)