أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَسْتَعِدُوا، وَأَنْ يَجْمَعُوا مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قُوَّةٍ وَسِلاَحٍ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ ذَاهِبٌ إِلى قَيْصَرِ الرُّومِ فَآتٍ بِجُنُودٍ مِنَ الرُّومِ لإِخْرَاجِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذُوا فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ قُرْبَ مَسْجِدِ قَباءٍ، وَلَمَّا انْتَهَوْا مِنْ بِنَائِهِ أَتَوْا إِلى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِنَا فَنُحِبُّ أَنْ تَصَلِّيَ فِيهِ، وَتَدْعُو لَنَا بِالبَرَكَةِ. وَكَانَ الرَّسُولُ خَارِجًا إِلى غَزْوَةِ تَبُوك، فَأَرْجََأَ ذَلِكَ إِلى حينِ عَوْدَتِهِ. وَحِينَ عَادَ نَزَل عَلَيهِ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، يُخْبِرُهُ بِغَايَةِ بُنَاةِ المَسْجِدِ وَقَصَدِهِمْ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ لاَ يُصَلِّيَ فِيهِ أَبَدًا. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ الذِينَ بَنُوا هَذا المَسْجِدِ سَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرَادُوا بِبِنَائِهِ الخَيْرَ وَالإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ، وَاللهُ يَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا قَالُوهُ، وَفِيمَا قَصَدُوهُ، وَفِيمَا نَوَوْهُ؛ فَهُمْ إِنَّمَا بَنَوْهُ ضِرَارًا لِمَسْجِدِ قِبَاءٍ، وَكُفْرًا بِاللهِ، وَتَفْرِيقًا لِلْمُؤْمِنِينَ (الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ جَمِيعًا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ هُوَ مَسْجِدُ قِبَاءٍ، وَفِي ذَلِكَ يَحْصُلُ التَّعَارُفُ وَالتَّآلُفُ، وَتُجْمَعُ الكَلِمَةُ) ،وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهُ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلِ بِنَاءِ هَذا المَسْجِدِ.
أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ لاَ يَقُومَ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ هَذا، وَحَثَّهُ عَلَى الصَّلاَةِ فِي مَسْجِدِ قِبَاءٍ الذِي أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى التَّقْوَى (وَهِيَ طَاعَةُ اللهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ، وَجَمْعُ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ) ..
وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ مَسْجِدَ قبَاءٍ فِيهِ رِجَالٌ يَعْمُرُونَهُ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَذِكْرِ اللهِ، وَتَسْبِيحِهِ؟،وَيُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا بِذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ. وَيُثْنِي اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَنْصَارِ فِي تَطَهُّرِهِمْ، وَفِي عِنَايَتِهِمْ بِنَظَافَةِ أَبْدَانِهِمْ، لأَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ. [1]
كذلك فإن هناك أعمالا إسلامية تصبغ بصفة العالمية، ومنها ما يُنْفَق عليه بسخاء والهدف معروف وهو أن تمتد أيدي الأخطبوط إلى جميع البلدان تحت ستار العالمية تتحسس وتمسك بأي حركة إسلامية وليدة فيما يسمى بسياسة الاحتواء.
وفيما سبق الكفاية، وفي التلميح ما يكفي عن التصريح، قال الله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:30] ،يَهُدِّدُ اللهُ تَعَالى بِكَشْفِ أمْرِ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ لِلرَّسُولِ فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ الكَريمِ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1343،بترقيم الشاملة آليا)