وفي الاصطلاح: هُوَ صِدْقُ اعْتِمَادِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُلِّهَا، وَكِلَةُ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَتَحْقِيقُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ لَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ سِوَاهُ .. [1]
ولا يتم هذا الاعتماد إلا إذا اعتقد المتوكل تمام العلم والقدرة والرحمة، فإذا أيقنت بهذا في الله تعالى وحده اتكل قلبك عليه وحده، وإذا ضعف هذا اليقين في الله تعالى ضعف التوكل.
فالتوكل هو ثمرة الفقه في أسماء الله تعالى وصفاته، كصفات العلم والقدرة والرحمة والحكمة، فمن أيقن بكمال علم الله تعالى وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون ومالا يكون لو كان كيف يكون، وأنه سبحانه عالم الغيب والشهادة، اعتمد عليه وفوض أمره إليه لأنه سبحانه يعلم من مصالح العبد الآجلة والعاجلة مالا يعلمه العبد نفسه، ولذلك قال شعيب عليه السلام: { .. وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89] .
فبين أن التوكل هو ثمرة اليقين بسعة علم الله تعالى وكماله.
وكذلك القدرة، فإذا أيقنت بأن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، اعتمدت عليه في قضاء حوائجك من جلب منفعة أو دفع مضرة، كما قال تعالى عن هود عليه السلام: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود:56] .
إِنِّي وَكَّلْتُ أُمُورِي إلى اللهِ، وَهُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمُ الحَقُّ، خَلَقَ المَخْلُوقَاتِ كُلَّها، وَجَعَلَهَا تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَهُوَ الحَاكِمُ العَادِلُ الذِي لاَ يَجُوزُ فِي حُكْمِهِ. وَأَفْعَالُهُ تَعَالى، تَجْرِي عَلَى طَريقِ الحَقِّ وَالعَدْلِ فِي مُلْكِهِ. أَمَّا الأَصْنَامُ وَالأَوْثَانُ فَهِيَ حِجَارَةٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ وَلاَ تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا. [2]
(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 497)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1530،بترقيم الشاملة آليا)