فبين أن من أسباب توكله علمه بأنه ما من دابة إلا والله آخذ بناصيتها وتحت سلطانه وقهره، فلا يخشى من قومه الذين كفروا به شيئا طالما كانوا تحت قهر ربه سبحانه وتعالى وقدرته، إلا ما شاء الله سبحانه. وكذلك صفة الرحمة، العلم بها باعث على التوكل، كما قال تعالى عن يعقوب عليه السلام: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:64]
هو عزاء له، يعزّى به نفسه في حزنه على يوسف، وذلك بتسليم الأمر لله سبحانه، والاستسلام لقدره، والرضا بمقدوره. وأنه سبحانه لو أراد حفظ يوسف لحفظه، فهو خير الحافظين، لا يقع شىء في هذا الوجود إلا بأمره .. «وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» .. فما ينزل بالناس من مكروه، هو واقع بهم من ربّ رحيم، فهو رحمة بالنسبة لما هو أقسى منه وأوجع! [1]
وكذلك صفة الحكمة، فتعلم أن لله حكمة بالغة فيما قضى لك به وإن بدا لك غير ذلك، فثمرة التوكل الرضا بالقضاء، ولذلك ورد في قول هود عليه السلام بعدما أعلن توكله وبَيَّن أنه مبني على علمه بقدرة الله تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود:56]
أي حَكَمٌ عدل ما قضى به فهو الحق، سواء كان هذا القضاء هو تمكين الكافرين من إيذاء هود أو ظهوره عليهم وانتقام الرب جل وعلا منهم، وهذا يشبه قول يعقوب عليه السلام لبنيه: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف:67]
أَمَرَ يَعْقُوبُ بَنِيهِ بِأَنْ لاَ يَدْخُلُوا، حِينَما يَصِلُونَ إِلَى مِصْرَ، مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ لِكَيْلاَ يُلْفِتُوا الأَنْظَارَ إِلَيْهِمْ، وَأَنْ يَدْخُلُوا مِنْ أَبَوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، لأَنَّهُ خَشِيَ عَلَيهِمْ العَيْنَ إِنْ دَخَلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ ذلِكَ مِنْ بَابِ الاحْتِرَازِ، لأَنَّ قَدَرَ اللهِ نَافِذٌ، وَقَضَاءَهُ لاَ يَرُدُّهُ شَيءٌ بِغَيرِ
(1) - التفسير القرآني للقرآن (7/ 15)