أ = اتباع رأي الأمير في الأمور الاجتهادية كقصر الصلاة أو إتمامها، وجمعها أو عدمه وإن كان الأمير يُعْوِزه الفقه فعليه سؤال من معه من أهل العلم الأمثل فالأمثل فيما يشكل عليه. ودليل النزول على رأي الأمير في هذا، هو قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59]
قال شارح العقيدة الطحاوية: [وَقَدْ دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ، وَإِمَامَ الصَّلَاةِ، وَالْحَاكِمَ، وَأَمِيرَ الْحَرْبِ، وَعَامِلَ الصَّدَقَةِ:يُطَاعُ فِي مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ، الْمُطَاعُونَ فِي مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ أَتْبَاعَهُ فِي مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ، بَلْ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ، وَتَرْكُ رَأْيِهِمْ لِرَأْيِهِ، فَإِنَّ مَصْلَحَةَ الْجَمَاعَةِ وَالِائْتِلَافَ، وَمَفْسَدَةَ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، أَعْظَمُ مِنْ أَمْرِ الْمَسَائِلِ الْجُزْئِيَّةِ. وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ لِلْحُكَّامِ أَنْ يَنْقُضَ بَعْضُهُمْ حُكْمَ بَعْضٍ. وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ صِحَّةُ صَلَاةِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ خَلْفَ بَعْضٍ.] [1] .
وقد رأينا كيف نزل ابن مسعود على اجتهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان في إتمام الصلاة بمنى خلافا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده، رغم تشدد من ابن مسعود في هذا، فيمَا تقرر عندهم من وجوب النزول على اجتهاد الأمير، رضي الله عنهم أجمعين.
ب = تفويض الأمور المباحة والفنية إلى رأي الأمير وتدبيره حتى لا تختلف آراؤهم، لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83] ،ومثال ذلك ما ورد عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَمْرًا عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ إِلَى لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَمَسَايِفِ الشَّامِ، قَالَ: وَكَانَ فِي أَصْحَابِهِ قِلَّةٌ، قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ عَمْرُو: لاَ يُوقِدَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ نَارًا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَكَلَّمُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُكَلِّمَ عَمْرًا فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ: لاَ يُوقِدُ أَحَدٌ نَارًا إِلاَّ أَلْقَيْتَهُ فِيهَا، فَقَاتَلَ الْعَدُوَّ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُمْ، فَقَالَ النَّاسُ: أَلاَ نَتْبَعُهُمْ؟ فَقَالَ: لاَ، إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ وَرَاءَ هَذِهِ الْجِبَالِ مَادَّةٌ يَقْتَطِعُونَ الْمُسْلِمِينَ، فَشَكَوْهُ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم حِينَ رَجَعُوا، فَقَالَ: صَدَقُوا يَا عَمْرُو؟ قَالَ: كَانَ فِي أَصْحَابِي قِلَّةٌ فَخَشِيتُ أَنْ يَرْغَبَ الْعَدُوُّ فِي قَتْلِهِمْ، فَلَمَّا أَظْهَرَنِي اللَّهُ
(1) - شرح الطحاوية ت الأرناؤوط (2/ 534)