ولما انتشر رأى المُعْتَمِد بن عَبَّاد في الأَنْدَلُس حذره ملوك الطوائف من ذلك وقالوا له: «الملك عقيم والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد» ،وعارض بشدة طلب العون من المرابطين عبد الله بن سكوت والي مالقة الذي كان يرى أن المرابطين أشد خطرًا من النصارى، ويجب الاعتماد على القوة الذاتية للأَنْدَلُسيين، فأجابهم المُعْتَمِد: «رعى الجمال خير من رعى الخنازير» [1]
ولكن مما يؤسف له أن الصراع استمر بين الملوك ومنهم المعتمد حتى قامت الحرب بينه وبين يوسف وانتهى به الحال أسيرا عند يوسف في مراكش حتى مات بها، وضاعت الأندلس، والذي دعاني إلى ذكر هذه القصة هو أنها تتكرر في زماننا هذا ـ ولو بصورة مُصَغَّرة ـ مع الإخوة العاملين للإسلام، ترى أحدهم يأنف من أن يتأَمَّرَ عليه أخوه المسلم من أجل قيام جماعة مسلمة قوية ذات شوكة، فتبطش بهم أيدي الطواغيت وهم فرادى متفرقين، فيكون مآلهم أن ترى طائفة منهم أسرى مستسلمين لجند الطواغيت مكبلين بالحديد في قعر الزنازين يُكَال لهم السباب ويصب عليهم التعذيب سنين، وترى طائفة أخرى على أعواد المشانق، وطائفة مشردة في البلدان لا يقر لهم قرار، وطائفة قد فتنت وارتدت على أعقابها، ومع هذا كله تسمع أنين النساء والأطفال، صورة مُصغَّرة لما حدث بالأندلس من ضياع، صراع بين المسلمين ينتهي في قعر زنازين الطواغيت، قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء:79] ،أليس دخول المسلم في إمرة أخيه المسلم وطاعته خير له في الدنيا والآخرة من قعر زنازين الطواغيت؟ قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30] ،وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11] .
ب = ومن صور الحرص على الإمارة، طلبها:
وقد يكون الطلب صريحا أو تلميحا بأن يتحدث المرء عن مهاراته وكفاءته ويحاول إبراز هذه المهارات كلما واتته الفرصة، وقَصْدُه أن يتفطن إليه فيُوَلَّى إمارة أو عملا. وهو بِنِيَّتِه
(1) - فقه التمكين عند دولة المرابطين (ص:86) ونفح الطيب (6/ 91) .