وما رواه البخاري عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَقَالَ أَيْضًا: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَ عَمِّي لِرَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَكَذَّبَنِي، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ} [المنافقون:1] إِلَى قَوْلِهِ {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} [المنافقون:7] إِلَى قَوْلِهِ {لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} [المنافقون:8] فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ» [1] .
وكان ذلك أثناء غزوة بني المصطلق على خلاف. وقال ابن حجر: [وفِي الحَدِيث مِنَ الفَوائِد تَرك مُؤاخَذَة كُبَراء القَوم بِالهَفَواتِ لِئَلاَّ يَنفِر أَتباعهم والاقتِصار عَلَى مُعاتَباتهم وقَبُول أَعذارهم وتَصدِيق أَيمانهم وإِن كانَت القَرائِن تُرشِد إِلَى خِلاف ذَلِكَ، لِما فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأنِيس والتَّألِيف. وفِيهِ جَواز تَبلِيغ ما لا يَجُوز لِلمَقُولِ فِيهِ، ولا يُعَدّ نَمِيمَة مَذمُومَة إِلاَّ إِن قَصَدَ بِذَلِكَ الإِفساد المُطلَق، وأَمّا إِذا كانَت فِيهِ مَصلَحَة تُرَجَّح عَلَى المَفسَدَة فَلا.] [2] .
وموضع الاستشهاد من هذا الخبر هو إخبار زيد بن أرقم للنبي صلى الله عليه وسلم بما قاله عبد الله بن أُبَي لإفساد قلوب الصحابة بعضهم على بعض كما في سياق القصة وذلك بالوقيعة بين المهاجرين والأنصار. ويكفينا في جواز ما فعله زيد، قول النبي صلى الله عليه وسلم له: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ» .
ومثل هذا ما رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، آثَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُنَاسًا فِي القِسْمَةِ، فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ العَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي القِسْمَةِ، قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ
(1) - صحيح البخاري (6/ 152) (4901)
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (8/ 646)