صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» [1] .
قال ابن حجر:[وفِي هَذا الحَدِيث جَواز إِخبار الإِمام وأَهل الفَضل بِما يُقال فِيهِم مِمّا لا يَلِيق بِهِم لِيُحَذِّرُوا القائِل وفِيهِ بَيان ما يُباح مِنَ الغِيبَة والنَّمِيمَة لأَنَّ صُورَتهما مَوجُودَة فِي صَنِيع ابن مَسعُود هَذا ولَم يُنكِرهُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وذَلِكَ أَنَّ قَصد ابن مَسعُود كانَ نُصح النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وإِعلامه بِمَن يَطعَن فِيهِ مِمَّن يُظهِر الإِسلام ويُبطِن النِّفاق لِيَحذَر مِنهُ، وهَذا جائِز كَما يَجُوز التَّجَسُّس عَلَى الكُفّار لِيُؤمَن مِن كَيدهم، وقَد ارتَكَبَ الرَّجُل المَذكُور بِما قالَ إِثمًا عَظِيمًا فَلَم يَكُن لَهُ حُرمَة.
وفِيهِ أَنَّ أَهل الفَضل قَد يُغضِبهُم ما يُقال فِيهِم مِمّا لَيسَ فِيهِم، ومَعَ ذَلِكَ فَيَتَلَقَّونَ ذَلِكَ بِالصَّبرِ والحِلم كَما صَنَعَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم اقتِداءًا بِمُوسَى عَلَيهِ السَّلام، وأَشارَ بِقَولِهِ:"قَد أُوذِيَ مُوسَى"إِلَى قَوله تَعالَى: يا أَيّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوا مُوسَى"] [2] ."
وعنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمِنًى: لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ قَالَ: إِنَّ فُلاَنًا يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ لَبَايَعْنَا فُلاَنًا، فَقَالَ عُمَرُ: «لَأَقُومَنَّ العَشِيَّةَ، فَأُحَذِّرَ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ» ،قُلْتُ: لاَ تَفْعَلْ، فَإِنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ، يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ، فَأَخَافُ أَنْ لاَ يُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَيُطِيرُ بِهَا كُلُّ مُطِيرٍ، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ دَارَ الهِجْرَةِ وَدَارَ السُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَيَحْفَظُوا مَقَالَتَكَ وَيُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ بِهِ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ» ،قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَدِمْنَا
(1) - صحيح البخاري (4/ 95) (3150) وصحيح مسلم (2/ 739) 140 - (1062)
[ش (آثر أناسا) اختارهم وخصهم بشيء عن غيرهم. (القسمة) أي قسمة الغنيمة. (رجل) قيل هو معتب بن قشير وهو من المنافقين]
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (10/ 512)