الحِمَارِ بِرَحَاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلاَنُ، أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ أَفْعَلُهُ، وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ" [1] "
وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلَا أَقُولُ لِأَحَدٍ، يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا: إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ" [2]
قال ابن حجر:[قَوله:"قَد كَلَّمته ما دُونَ أَن أَفتَح بابًا"؛ أَي كَلَّمته فِيما أَشَرتُم إِلَيهِ، لَكِن عَلَى سَبِيل المَصلَحَة والأَدَب فِي السِّرّ بِغَيرِ أَن يَكُون فِي كَلامِي ما يُثِير فِتنَة أَو نَحوها.
يَعنِي لا أُكَلِّمهُ إِلاَّ مَعَ مُراعاة المَصلَحَة بِكَلامٍ لا يَهِيج بِهِ فِتنَة.
قالَ المُهَلَّب: أَرادُوا مِن أُسامَة أَن يُكَلِّمَ عُثمان وكانَ مِن خاصَّته ومِمَّن يَخِفّ عَلَيهِ فِي شَأن الولِيد بن عُقبَةَ لأَنَّهُ كانَ ظَهَرَ عَلَيهِ رِيح نَبِيذ وشُهِرَ أَمره وكانَ أَخا عُثمان لأُمِّهِ وكانَ يَستَعمِلهُ، فَقالَ أُسامَة: قَد كَلَّمته سِرًّا دُونَ أَن أُفتَح بابًا، أَي باب الإِنكار عَلَى الأَئِمَّة عَلانِيَة خَشيَة أَن تَفتَرِق الكَلِمَة. ثُمَّ عَرَّفَهُم أَنَّهُ لا يُداهِن أَحَدًا ولَو كانَ أَمِيرًا بَل يَنصَح لَهُ فِي السِّرّ جَهدَهُ، وذَكَرَ لَهُم قِصَّة الرَّجُل الَّذِي يُطرَح فِي النّار لِكَونِهِ كانَ يَأمُر بِالمَعرُوفِ ولا يَفعَلهُ لِيَتَبَرَّأ مِمّا ظَنُّوا بِهِ مِن سُكُوته عَن عُثمان فِي أَخِيهِ انتَهَى مُلَخَّصًا.
(1) - صحيح البخاري (9/ 55) (7098) [ش (فيطيف به أهل النار) يجتمعون حوله ويتحلقون]
(2) - صحيح مسلم (4/ 2290) 51 - (2989)
[ش (أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم) معناه أتظنون أني لا أكلمه إلا وأنتم تسمعون (ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه) يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ كما جرى لقتلة عثمان رضي الله عنه (فتندلق أقتاب بطنه) قال أبو عبيد الأقتاب الأمعاء قال الأصمعي واحدها قتبة وقال غيره قتب وقال ابن عيينة هي ما استدار في البطن وهي الحوايا والأمعاء وهي الأقصاب واحدها قصب والاندلاق خروج الشيء من مكانه]