فهرس الكتاب

الصفحة 1953 من 3472

وجَزمه بِأَنَّ مُراد مَن سَأَلَ أُسامَة الكَلام مَعَ عُثمان أَن يُكَلِّمهُ فِي شَأن الولِيد ما عَرَفت مُستَنَده فِيهِ، وسِياق مُسلِم مِن طَرِيق جَرِير، عَنِ الأَعمَش يَدفَعُهُ، ولَفظه عَن أَبِي وائِل"كُنّا عِندَ أُسامَة بن زَيد فَقالَ لَهُ رَجُل: ما يَمنَعك أَن تَدخُل عَلَى عُثمان فَتُكَلِّمهُ فِيما يَصنَع"قالَ وساقَ الحَدِيث بِمِثلِهِ.

وجَزَمَ الكَرمانِيُّ بِأَنَّ المُراد أَن يُكَلِّمَهُ فِيما أَنكَرَهُ النّاس عَلَى عُثمان مِن تَولِيَة أَقارِبه وغَير ذَلِكَ مِمّا اُشتُهِرَ، وقَوله إِنَّ السَّبَب فِي تَحدِيث أُسامَة بِذَلِكَ لِيَتَبَرَّأَ مِمّا ظَنُّوهُ بِهِ لَيسَ بِواضِحٍ، بَل الَّذِي يَظهَر أَنَّ أُسامَة كانَ يَخشَى عَلَى مَن وُلِّيَ وِلايَة ولَو صَغُرَت أَنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن أَن يَأمُر الرَّعِيَّة بِالمَعرُوفِ ويَنهاهُم عَن المُنكَر ثُمَّ لا يَأمَن مِن أَن يَقَع مِنهُ تَقصِير، فَكانَ أُسامَة يَرَى أَنَّهُ لا يَتَأَمَّر عَلَى أَحَد، وإِلَى ذَلِكَ أَشارَ بِقَولِهِ:"لا أَقُول لِلأَمِيرِ إِنَّهُ خَير النّاس"أَي بَل غايَته أَن يَنجُو كَفافًا.

وقالَ عِياض: مُراد أُسامَة أَنَّهُ لا يَفتَح باب المُجاهَرَة بِالنَّكِيرِ عَلَى الإِمام لِما يَخشَى مِن عاقِبَة ذَلِكَ، بَل يَتَلَطَّف بِهِ ويَنصَحهُ سِرًّا فَذَلِكَ أَجدَر بِالقَبُولِ.

وقَولُه:"لا أَقُول لأَحَدٍ يَكُون عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَير النّاس"فِيهِ ذَمّ مُداهَنَة الأُمَراء فِي الحَقّ وإِظهار ما يُبطِن خِلافه كالمُتَمَلِّقِ بِالباطِلِ، فَأَشارَ أُسامَة إِلَى المُداراة المَحمُودَة والمُداهَنَة المَذمُومَة، وضابِط المُداراة أَن لا يَكُون فِيها قَدح فِي الدِّين، والمُداهَنَة المَذمُومَة أَن يَكُون فِيها تَزيِين القَبِيح وتَصوِيب الباطِل ونَحو ذَلِكَ.

وفِي الحَدِيث تَعظِيم الأُمَراء والأَدَب مَعَهُم وتَبلِيغهم ما يَقُول النّاس فِيهِم لِيَكُفُّوا ويَأخُذُوا حِذرهم بِلُطفٍ وحُسن تَأدِيَة بِحَيثُ يَبلُغ المَقصُود مِن غَير أَذِيَّة لِلغَيرِ.] [1] .

قلت: وإنما قلت الأفضل النصح سرا، ولم أقل الواجب، لأنه وردت أدلة أخرى على النصح علانية.

ومنها مراجعة المرأة لعمر بن الخطاب بشأن مهور النساء، فعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ:"أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ سَاقَ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ سَاقَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ سِيقَ"

(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 51)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت