فهرس الكتاب

الصفحة 1989 من 3472

وقد ورى البخاري رحمه الله عن أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ: «أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَهُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي أُمُّ سُلَيْمٍ فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ» [1]

وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَةٍ، قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ، قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدًا قَالَ أَنَسٌ: وَاللهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ" [2] "

قلت: وأم سليم هي أم أنس، قال ابن حجر في شرح هذا الحديث:[قالَ بَعض العُلَماء: كَأَنَّ هَذا السِّرّ يَختَصّ بِنِساءِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وإِلاَّ فَلَو كانَ مِنَ العِلم ما وسِعَ أَنَسًا كِتمانه.

وقالَ ابن بَطّال: الَّذِي عَلَيهِ أَهل العِلم أَنَّ السِّرّ لا يُباح بِهِ إِذا كانَ عَلَى صاحِبه مِنهُ مَضَرَّة، وأَكثَرهم يَقُول: إِنَّهُ إِذا ماتَ لا يَلزَم مِن كِتمانه ما كانَ يَلزَم فِي حَياته إِلاَّ أَن يَكُون عَلَيهِ فِيهِ غَضاضَة قُلت: الَّذِي يَظهَر انقِسام ذَلِكَ بَعد المَوت إِلَى ما يُباح، وقَد يُستَحَبّ ذِكره ولَو كَرِهَهُ صاحِب السِّرّ، كَأَن يَكُون فِيهِ تَزكِيَة لَهُ مِن كَرامَة أَو مَنقَبَة أَو نَحو ذَلِكَ وإِلَى ما يُكرَه مُطلَقًا وقَد يَحرُم وهُو الَّذِي أَشارَ إِلَيهِ ابن بَطّال، وقَد يَجِب كَأَن يَكُون فِيهِ ما يَجِب ذِكره كَحَقٍّ عَلَيهِ كانَ يُعذَر بِتَركِ القِيام بِهِ فَيُرجَى بَعده إِذا ذُكِرَ لِمَن يَقُوم بِهِ عَنهُ أَن يَفعَل ذَلِكَ.] [3] .

وقال الماوردي في كتابه (أدب الدنيا والدين) :"اعْلَمْ أَنَّ كِتْمَانَ الْأَسْرَارِ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ النَّجَاحِ، وَأَدْوَمِ لِأَحْوَالِ الصَّلَاحِ. رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «اسْتَعِينُوا عَلَى الْحَاجَاتِ بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ» .وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: سِرُّك أَسِيرُك فَإِنْ تَكَلَّمْت بِهِ صِرْت أَسِيرَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ كُنْ جَوَادًا بِالْمَالِ فِي مَوْضِعِ الْحَقِّ، ضَنِينًا بِالْأَسْرَارِ عَنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ. فَإِنَّ أَحْمَدَ جُودِ الْمَرْءِ الْإِنْفَاقُ فِي وَجْهِ الْبِرِّ، وَالْبُخْلُ بِمَكْتُومِ السِّرِّ."

(1) - صحيح البخاري (8/ 65) (6289) وصحيح مسلم (4/ 1930) 146 - (2482)

(2) - صحيح مسلم (4/ 1929) 145 - (2482)

(3) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (11/ 82)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت